القى الدكتور محمود محيي الدين الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولي السنوي لمعهد التخطيط القومي حول *«سوق العمل والتنمية المستدامة»*، حيث استعرض في كلمته أبرز التحولات التي تشهدها أسواق العمل عالمياً، وما تفرضه من تحديات وفرص أمام الاقتصادات النامية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
أهداف التنمية
واستهل محيي الدين كلمته بالإشارة إلى أهمية *الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة*، المعني بتعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام، والعمالة المنتجة والعمل اللائق للجميع، موضحاً أن تحقيق هذا الهدف لا يرتبط فقط بزيادة معدلات النمو، وإنما كذلك بنوعية فرص العمل، ومستويات الإنتاجية، ودعم المشروعات والابتكار، وحماية حقوق العاملين، وخفض نسبة الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو التدريب أو العمل.
وأكد أن الطموحات والاستراتيجيات وحدها لا تكفي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مشدداً على أن *العبرة بالقدرة على التنفيذ* من خلال توفير التمويل، وبناء القدرات والمعارف اللازمة، وإيجاد منظومة حوافز مناسبة للحكومة والمجتمع والقطاع الخاص.
وأشار محيي الدين إلى أن العلاقة التقليدية بين النمو الاقتصادي والتشغيل لم تعد تتسم بالاستقرار نفسه الذي افترضته الأدبيات الاقتصادية في السابق، لافتاً إلى إمكانية تحقيق معدلات نمو مرتفعة في بعض القطاعات أو المشروعات كثيفة رأس المال دون توليد عدد مماثل من فرص العمل. وأوضح أن ذلك لا يعني الحد من نمو هذه القطاعات، وإنما يتطلب بالتوازي *تحفيز القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية.
وأضاف أن مؤشرات سوق العمل العالمية تكشف عن تحديات مستمرة، فرغم تحسن معدل البطالة عالمياً إلى نحو 5%، فإن نوعية الوظائف ومشاركة النساء والشباب لا تزال تمثل تحدياً، كما تظل نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يتعلمون ولا يتدربون مرتفعة، إلى جانب استمرار العمل غير المنظم في عدد من الاقتصادات.
وتناول محيي الدين بصورة موسعة التحول الذي أحدثه *الذكاء الاصطناعي* في النقاش المتعلق بالنمو والإنتاجية ومستقبل الوظائف، موضحاً أنه يمثل تكنولوجيا عامة عابرة للقطاعات، على غرار التحولات الكبرى التي صاحبت استخدام الكهرباء والحاسوب والإنترنت.
الذكاء الاصطناعي
وأشار إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل لا يقتصر على احتمالات إحلال بعض الوظائف، بل يمتد إلى *رفع إنتاجية العاملين وإيجاد فرص عمل وأنشطة اقتصادية جديدة*، مؤكداً أن درجة تعرض الاقتصادات النامية لمخاطر الإحلال الناتجة عن الذكاء الاصطناعي أقل في الوقت الراهن من الاقتصادات المتقدمة. واستشهد في هذا السياق بتقديرات تشير إلى تعرض نحو 14.2% من العاملين في الاقتصادات المتقدمة لتلك المخاطر، مقابل نحو 4.5% في الاقتصادات النامية.
وشدد على ضرورة ألا تستورد الدول النامية المخاوف المرتبطة بتجارب الاقتصادات المتقدمة دون دراسة أوضاعها المحلية، وإنما عليها تقييم درجة تعرض أسواق العمل لديها للتحولات التكنولوجية، وتحديد الفرص التي يمكن أن تستفيد منها في ضوء هياكلها الاقتصادية واحتياجاتها التنموية.
وأكد محيي الدين أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب الانتقال من مجرد *تبني التكنولوجيا إلى توطينها وتطويرها بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية*، مشيراً إلى أهمية النزول في التحليل والسياسات إلى مستوى المحافظات والمجتمعات المحلية، بما يعكس اختلاف القدرات والاحتياجات والموارد من منطقة إلى أخرى.
منظومة الرعاية
وأوضح أن الاستعداد لهذه التحولات يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل *مرونة سوق العمل، والاستثمار في التعليم والرعاية الصحية ورأس المال البشري، وتطوير البنية الأساسية التكنولوجية، وتعزيز أطر الحوكمة والحماية من الآثار السلبية المحتملة للذكاء الاصطناعي*.
كما أشار إلى خمسة متطلبات أساسية لتعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، تتمثل في توفير الطاقة والكهرباء بصورة مستدامة وبتكلفة مناسبة، وتعزيز الاتصال بالإنترنت، وتنمية المهارات الجديدة، وتطوير البيانات المحلية اللازمة لتدريب واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي بكفاءة، إلى جانب تطوير المؤسسات والأطر التي تكفل حماية الحقوق.
توطين البيانات
ولفت محيي الدين إلى الأهمية المتزايدة لمسألة *توطين البيانات*، موضحاً أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد بصورة أساسية على جودة البيانات وتنوعها وقدرتها على التعبير عن السياقات المحلية، وأن نقص البيانات المحلية قد يؤدي إلى نتائج لا تعكس بصورة دقيقة طبيعة الاقتصادات والمجتمعات التي تستخدم فيها هذه التقنيات.
وأكد في ختام كلمته أن التعامل مع التحولات الجديدة في سوق العمل يتطلب *الشمول والاستثمار في المهارات وتعزيز نظم الحماية الاجتماعية وتمكين القطاع الخاص من القيام بدور ريادي، مع استمرار الدور المحوري للحكومة في التنظيم والحوكمة ووضع المعايير وحماية المجتمع*.
وشدد على أن التكامل بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات المختلفة، والاستفادة من المزايا النسبية لكل منها دون مزاحمة أو استبعاد، يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل التطور التكنولوجي إلى فرصة حقيقية لزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم التنمية المستدامة.