كنت في زيارة لمدينة لندن منذ أكثر من عقدين من الزمان، وفي يوم وجدت باقات كثيرة من الزهور وبطاقات مكتوبة وخطابات تحيط بإحدى الأشجار في الشارع الذي أمر به كل يوم، أحد هذه الخطابات موجه إلى هذه الشجرة من فتاة مات والدها أمام هذه الشجرة، تتحدث إليها لأنها آخر من شهد لحظات والدها الأخيرة، تتحدث إليها وتناجيها وتطرح عليها الأسئلة كما لو كانت إنسانا يبادلها الحديث!.
تذكرت هذه الواقعة بعد أن رأيت المشهد البائس الذي نُشر مؤخراً لأشجار تم ذبحها بدم بارد في قناطر إدفينا منذ عدة أيام، مشهد مؤلم بكل المقاييس لا مثيل له في العالم كله، فبلاد الدنيا كلها تفتخر بغابتها وأشجارها المعمرة وتحافظ عليها، ولعل ما شهدته زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة للصين هذه الدولة ذات الحضارة العريقة اختصرت رسالتها التي تتضمن هذا المعنى بلقطة واحدة حرص فيها الرئيس الصيني أن تشمل زيارة الرئيس الأمريكي لحديقة (تشونجنانهاي) في بكين، والتي بها شجرة يمتد عمرها لأكثر من ربعمائة سنة، وقد التقطته وسائل الإعلام والمحللون في إشارة واضحة دون أي كلمات أن عمر هذه الشجرة هو أطول من عمر الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.
لكن البعض لدينا في مصر لا يدرك هذه الثروة، ولا يدرك قيمتها ، ولم يعلمه أحد أن الشجر ليس مجرد تجارة أخشاب يمكن أن تدر ربحاً مؤقتاً، لكنها قيمة وحضارة إنسانية، لهذا نجد انه منذ حكم محمد علي باشا فقد شهدت مصر حرصاً كبيراً على زراعة الحدائق والأشجار، وهو ما أكمله الخديوي إسماعيل باستقدام النباتات النادرة في عدد من الحدائق العامة مثل حديقة الأورمان وحديقة الحيوان وغيرهما ، التي حرص هو ومن تلاه في الحكم على أن تتزين مدن مصر بمثل هذه المتنفسات ، التي تعكس تحضراً ورقياً ، لهذا لم تخل قصور أو منشآت ملكية أو حتى حدائق عامة من مزارع وأشجار في طول مصر وعرضها.
ثم يأتي موظف مفتقر للرؤية الإنسانية والجمالية والحس الوطني بالإقدام على مثل ما شهدناه من ذبح لأشجار تعد ثروة هائلة لأي بلد إلا بلدنا، ولم يكن ما حدث في قناطر إدفينا بمدينة مطوبس هو الحادث الأول ولا الوحيد، فقد سبق وحدث في أشجار حديقة الحيوان، وفي المعادي وفي الإسماعيلية وغيرهم، ثار البعض وتجاهل وجهل البعض، لكن شيئا لم يتغير!.
لقد أعفى السيد رئيس مركز ومدينة مطوبس (بكسر الباء) من منصبه، وتم تعيين السيد إبراهيم خليفة الذي كان يشغل نائب رئيس مدينة فوة، والمدينتان متلاصقتان وكل منهما لها تاريخ يمتد إلى العصور الفرعونيّة، كما أن المدينتين تقعان على نهر النيل مباشرة، إلا أن مدينة مطوبس تتميز بوجود قناطر إدفينا، التي أنشئت عام 1948 وتمّ افتتاحها عام 1951، ولها عندي ولعائلتي مكانة خاصة جداً، فقد كان والدي رحمه الله حتى وفاته يحتفظ بالدعوة التي وجهت لجدي باسم الملك فاروق لإفتتاح قناطر إدفينا ، وطفولتي كلها كانت في تلك البقعة الجميلة من أرض مصر، حيث يتسع النيل كثيراً، وتزينه الحدائق على جانبيه والتي تتجاوز 125 فدانا، جانب منها به حدائق موالح منذ عهد الملكية، والجانب الثاني يمين النهر حدائق للعامة تمتد من قناطر إدفينا لعدة كيلومترات، المهم أنه حتى الآن لم تكشف لنا التحقيقات مسئولية من قام بهذا الفعل المشين، هل هو مجلس المدينة ورئيسه المعفي، أم وزارة الأشغال والري التي تقع منطقة القناطر ومحيطها تحت مسئوليتها؟ وهذا ما يجب أن نصل إليه وتعلنه الجهات المسئولة وتتشدد في العقاب، لأن هذا الأمر أصبح بالفعل مشيناً.
نحن عندما نغضب لذبح الأشجار ليس رفاهية ولا لمجرد غضب من أجل شجرة، لكنه غضب من أجل حياة ومتنفس وحضارة يجب أن ندرك قيمتها ونغرس معانيها في نفوس أبنائنا وبناتنا، فهي لا تعني التاريخ ولا الجمال فقط ولكنها تعني الحياة.