لا يُنتظَر فى قلب المعمعة أن يعترف المُحارب بخسائره، ولا أن يُظهر الضعف لغريمه. الإنكار بديهى، والادعاء واجب، على ألا يكذب الكذبة ويصدقها، ولا أن تختلط عليه الأمور فى زحام ما يلوك وينفخ من دعايات.
وإيران فى مشهدها الراهن، تتعالى على حد الانكشاف الظاهر للعيان، وتُغطّيه بإبداء صلابة لا تتناسب مع قوتها الفعلية، وسلامة بيئتها الداخلية، ولا تزال توسّع طوق النار الذى تصطلى به، بدلا من البحث عن مخارج، أو استشراف ما وراء الإغراق فى المقامرة وعض الأصابع.
أساءت إدارة محورها الممانِع، وجُلبت غصبا إلى الميدان بخطيئة ميليشياتها الرديفة. صحيح أنها صدّرت الأزمة للجوار، وأعادت تسعير المخاطر وتعميم كُلفتها، إلا أن الفارق كبير بين الانطلاق من قوّة ووفرة، أو من هشاشة وعوز، وما بينهما من قدرة على الاحتمال أيضا.
حرقت الولايات المتحدة عشرات المليارات من ثروة طائلة، وإمكانات مالية بلا حدود تقريبا. والخليج ليس أقل، ولديه فوائض تعوّض وتُطيل هامش الوقت مع تأمين التعافى السريع لاحقا.
بينما كانت الجمهورية الإسلامية جائعة فازدادت جوعا، ومُعاقبة فتضاعفت العقوبات والحصار، ومحل نظر من محيطها والعالم فصارت مكروهة أو مرفوضة، وتعاظمت الشكوك فى قابلتيها للتعايش مع الآخرين.
العقلاء يضعون أياديهم على قلوبهم، والمخابيل يرتجفون خشية، ثم يُصوّرون الرعشة من قبيل البأس والغضب.
كأن تقول القيادة القتالية الموحدة لدى دولة الملالى إن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف الحرب، بالشراكة مع قوى إقليمية، ثم تُقفّى بالتحذير وأنها سترد على أى اعتداء، بالرغم من أنها لم تتوقف لحظة عن المساس بخرائط الإقليم.
يُحذر الرئيس بزشكيان من أثر الخنق والاستنزاف، ويُهوّن جنرالات الحرس. يخشى فريق من أن تتجدد الحرب، ويكاد غيره أن يطلبها أو يقرع طبولها.
وإذ يقول رئيس برلمانها وكبير مفاوضيها، باقر قاليباق، إن على طهران أن تُفاوض وتُقاتل فى آن واحد، يمسك الجنرالات بمفاتيح القرار، من دون أن يُحسنوا إدارة المعركة، ولا أن يمنحوا الساسة فرصة التوصل لاتفاق عاقل.
خلفية الرجل عسكرية بانتمائه السابق للحرس، وواقعه مدنى يقترب نسبيا من خطاب الإصلاحيين.
وعندما يتحدث المتشددون ورافضو التهدئة عن خصومهم الداخليين، ويتهمونهم بالرخاوة والتفريط، فإنه يكون مشمولا بالمظنّة والتعريض، لكنه يمضغ معهم كلام التأجيج والتهديد بين وقت وآخر، وأحدثه الجزم بأن المضيق سيظل مغلقا، ولن يُفتح إلا بعد تلبية الشروط الإيرانية كاملة.
دراما كاملة من الوهم، نُسجت من خيوط عمامة المرشد الراحل، وخليفته/ ابنه المحتجب، حتى أضحى غائبا ينوب عن غائب، وانتهك شرعية الولى الفقيه فى الإمامة المتعينة.
الدولة بعد خمسة عقود أسوأ كثيرا مما كانت عليه، ما صدروا الثورة ولا هزموا الاستكبار، والشيطان الأكبر يظلل سماء فارس كاملة، ويسرح حليفه الأصغر على أرضها.
الاستثمار فى خطاب الممانعة والدفاعات المتقدمة تهاوى، والنظام بعدما كان يتمدد، بات يدافع عن وجوده، ويختلف على حدود الانكماش المقبول. والأهم، أن دور «قاطع الطريق» ليس فعالا تماما.
أعلنت القيادة المركزية «سنتكوم» قبل يومين، وعلى سبيل التباهى غالبًا، أنها ساهت بغطائها العسكرى المباشر فى تمرير نحو مليار برميل من النفط خلال آخر شهرين.
المؤكد أن مضيق هرمز ليس طبيعيًّا، ولا حتى قريبا مِمّا كان عليه قبل اندلاع الحرب، والقوة الأمريكية ببيانها تستهدف نفى ذلك ضمنيًّا.
كما أنها تتعمّد التعمية على الواقع وتداعياته الأمنية والاقتصادية، باجتزاء البيانات، دون مُقارنتها بغيرها، أو إحالتها إلى خطِّ أساس مَرجعىّ.
على أنها، إلى ذلك، تظلّ صادقة نسبيًّا من جهة تفنيد الدعايات الإيرانية، إذ الشريان سالكٌ جزئيًّا، وليس مُعطّلاً ولا مقطوعًا تمامًا كما يدّعون على الضفة المقابلة.
الخبر الجيد، أن الكمية المشار إليها تتوزّع بمتوسّط يومىٍّ يتخطّى 15 مليون برميل بقليل، ما يوازى ثلاثة أرباع معدلات ما قبل الأزمة.
أمّا السيئ، فيتأتّى من استخلاص أن الفاقد منذ اندلاع الحرب آخر فبراير، يفوق 4 مليارات برميل، أى جُرِّدَت السوق من ثلاثة أرباع التدفقات تقريبًا طوال الشهور السبعة.
تضخمّت أسعار النفط، لكنها لم تنفجر. السوق ما تزال قادرة على الاحتمال، واحتواء أفق التصعيد الراهن. المُناكفة لها أثر بلا شكّ، إلا أنه فى نطاقه الجغرافى من النوع الذى يُؤلم ولا يقتل.
ولعلّ استشعار ذلك، كان الدافع وراء تطوير الهجوم، وتشبيك الجبهات بعد تعالٍ طويل على شعار «وحدة الساحات». ومن هنا جرى تنشيط الحوثيّين، وأُمِرَت ميليشيات العراق باستهداف خط أنابيب شرق غرب.
طاقة المسار سبعة ملايين برميل، وصل إليها تقريبا فى الأسابيع الأخيرة، من ساحل الخليج إلى البحر الأحمر، ثم شمالاً من قناة السويس، وجنوبًا عبر باب المندب.
مضيقان يُشكّلان عقدة أمنية واقتصادية مُتّصلة، وذروة تسليح الجغرافيا وممرات الطاقة. ولن يُسمَح باعتصارهما معًا، أو يطول الصبر على مجرد المحاولة.
يُنصَح دومًا بألا تجرج خصمك القوى، فإما أن تقتله أو تحوّله صديقًا. وإيران وأتباعها غير قادرين على تصفية الأعداء جميعًا، فضلا على أن لا أحد يُرحب بالصداقة معهم على صورتهم الحالية.
وهنا تكمن أخطر حلقات الأزمة، إذ لا طاقة لدى طهران تسمح بمواصلة المُغامرة، ولا رغبة فى المراجعة والاعتصام بالتعقُّل. وبينهما ستُستَنزَف وتستَنزِف، وتظل المسألة إهدارًا للطاقة بالجرى فى المكان.
من السيئ ألا تمتلك القوّة الكافية لخوض الحرب، والأسوأ أن تحوز منها ما يفوق سعة الميدان وإمكانية الاستخدام.
تواجه واشنطن تلك الحالة، بمواردها الاعتيادية العاجزة عن الحسم، والاستثنائية غير المُتاحة للتوظيف أصلاً. كما تواجهها إيران أيضًا بالتوسّع إقليميا، ووصل خليجى العرب وعدن، وإغلاق مضيقيهما فوّهة بفوّهة!
تبقى الحال آمنة، طالما آلمت العدوّ، ولم تلصق ظهره بالجدار. أحد المضيقين لا يُفجّر المُعادلة، وكلاهما لا يُبقيها على ما كانت قطعًا.
القوّة ضارّة كالضعف، إن زادت على الحدّ.. والأيام حُبلى بكل الاحتمالات، ما لم يتعقّل أحد الطرفين أو كلاهما، ويتوقف المخابيل فى كل ناحية عن تذخير الجغرافيا وإسقاط نزواتهم على الخرائط.