العالم اليوم يقف عند واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ عقود؛ تتراجع فيها فرص التفاهم، وتضيق مساحات المناورة، بينما يتقدم منطق القوة على قوة المنطق، وتتآكل تدريجيًا قدرة النظام الدولي على ضبط الصراعات واحتوائها قبل أن تتجاوز حدودها.
وفي ظل التحولات التي تشهدها السياسة الدولية، أصبحت لغة الصفقة والمصلحة المباشرة والنفوذ أكثر حضورًا في إدارة العلاقات بين الدول، بينما تراجعت مساحة الدبلوماسية الهادئة أمام سياسات الضغط والتصعيد.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الأزمات، وإنما في الاعتياد على الوقوف فوق حافة الهاوية.
فكثرة الاقتراب من الخطر لا تعني دائمًا القدرة على العودة منه. والتاريخ يخبرنا أن الحروب الكبرى قد لا تبدأ بقرار واضح ومتعمد، وإنما بخطأ في الحساب، أو سوء تقدير، أو حادث يتجاوز حدوده، ثم تتسارع الأحداث بصورة تفوق قدرة الجميع على السيطرة عليها.
والأخطر أن أزمات اليوم لم تعد محصورة داخل حدود الدول التي تبدأ فيها.
فالعالم أصبح شبكة واحدة مترابطة، وأي صراع كبير يمكن أن تمتد آثاره إلى الجميع: إلى الطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء والسلع، والاستثمارات، والعملات، والتضخم، وفرص النمو.
ولهذا، فإن الاستعداد للمرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون سياسيًا وأمنيًا فقط، بل يجب أن يتضمن أيضًا حسابات اقتصادية دقيقة لأسوأ السيناريوهات.
ماذا لو طال أمد الصراع؟
ماذا لو تعطلت طرق التجارة؟
ماذا لو ارتفعت أسعار الطاقة والمواد الأساسية؟
وماذا لو امتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق، والعملات، والاحتياطيات، وسلاسل الإمداد؟
هذه الأسئلة ليست تشاؤمًا، بل جزء من مسؤولية الاستعداد.
فالأزمات قد تبدأ في مكان، لكن تداعياتها، في عالم شديد الترابط، يمكن أن تصل إلى الجميع.
ولهذا، فإن الحكمة اليوم لا تعني فقط السعي إلى منع الحرب، بل تعني أيضًا الاستعداد الاقتصادي لما قد تفرضه الأزمات إذا وقعت.
فالعالم يستطيع أن يتحمل خلافات كثيرة، لكنه قد لا يتحمل خطأً كبيرًا في الحساب.