سارة درويش

على خطى إيزيس

الأحد، 20 سبتمبر 2026 07:28 م


في عام 2018 أوصت دراسة أطلقها المركز الإعلامي للمرأة بالتعاون مع شبكة "بي بي سي أمريكا" بضرورة وجود المزيد من البطلات الخارقات في الأعمال الفنية، مؤكدة أن الفتيات الصغيرات بحاجة لهن ليشعرن بالمزيد من الثقة، فمجرد رؤيتهن على الشاشة تمنحهن فورًا شعورًا بـ "القوة، والشجاعة، والإلهام"، وتجعلهن أكثر ثقة بقدرتهن على القيادة وتحقيق المستحيل.

لا يمكن لأحد أن ينكر ما أشارت إليه الدراسة من فجوة هائلة في التوزيع الجندري للأبطال الخارقين على الشاشات. ولكن رغم اتفاقي مع الدراسة إلا أنني أشك كثيرًا في طبيعة البطلات الخارقات اللاتي نحتاج إليهن. الأمر في رأيي لا يتعلق فقط بحجم التواجد إنما أيضًا بطبيعته. فبعيدًا عن البطلات الخارقات المراوغات اللائي لا يتمتعن بالكثير من النزاهة؛ غالبًا ما تأتي قوة البطلة الخارقة في شكل قدرات جسدية خارقة، وخيالية بالطبع. وغالبًا ما تكون القيمة التي تحركهن مستمدة من بطل ذكر، أب مفقود، أو حبيب شجاع، أو معلم ملهم.

لم تغرني أبدًا تلك القدرات البدنية الخارقة. لا السرعة المذهلة في الحركة ولا الطيران أو إطلاق الأشعة الكونية بعد امتصاصها ولا حتى القدرة على التحريك عن بعد أو تغيير الواقع وتشكيله!

بالنسبة لي "إيزيس" هي بطلتي الخارقة المفضلة. حتى لو جردناها من قوتها السحرية الأسطورية، بل وبالأخص حين نجردها منها! دائمًا ما انبهرت بتلك المرأة التي مشت إلى آخر الأرض من أجل ما تؤمن به! أنفعل حين يختزل أحدهم أمامي إيزيس فقط في امرأة عاشقة، أو أم حنون! أراها امرأة قوية من النوع الذي أتطلع دائمًا أن أكونه. امرأة تصدق ما تؤمن به لدرجة تجعله يومًا ما حقيقة، حتى لو كان مستحيلاً! امرأة تجيد الصبر، تتقن الرعاية، تضمد الجرح مهما كان عميقًا. تفعل ما ينبغي فعله ويكون لإرادتها تلك مفعول السحر!

أحب إيزيس، وكل ما أعرفه عنها وإن كان قليلاً. أشعر أن هناك روابط عميقة بيننا. أبكي لأجلها أحيانًا. أشفق عليها من الأمل كثيرًا، ولكنني أعجب بها دائمًا. لهذا لم أتردد كثيرًا في "تتبع خطى إيزيس"، حين تكفلت خوارزميات فيسبوك مشكورة بإبلاغي بالفعالية التي يقيمها مركز دراسات الهوية وحفظ التراث، والتي تتبع رحلة إيزيس في البحث عن أوزوريس داخل أحراش النيل.

خلال رحلة نيلية امتدت لثلاث ساعات، اصطحبنا فيها د. عمر المعتز بالله أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم في تجربة أبعد من المعلومات التاريخية عن الأسطورة المصرية الأقرب إلى قلبي، وتعمق في الرسائل الملهمة التي تحملها رحلة إيزيس، فيراها مرة في كل امرأة مصرية قوية فعلاً بعيدًا عن المفهوم المشوه للقوة، ويراها مرة مصر نفسها التي تتحرك دومًا رغم الحزن!

تحدث عن إيزيس في 7 خطوات رئيسية، جعلتني في كل خطوة أزداد ارتباطًا بها. أو للدقة، يتعمق فهمي لأسباب حبي وارتباطي بها. فإيزيس تمثل لي صورة القوة التي أحب: حاضرة رغم كل التحديات. مخلصة وباقية. تتحرك رغم كل ما يثقلها من حزن. بدأت الطريق تائهة ولكنها بقوة اليقين بما تؤمن به تصبح يومًا ما مرشدة للتائهين. لا تخجل من دموعها ولا تعتبرها ضعفًا. تبكي وتنتحب فتتحول دموعها نهرًا تسبح فيه بحثًا عن أشلاء أوزوريس. لا تفقد الأمل أبدًا مهما أخبرها الآخرون بأن ما تريده مستحيل. ولا تكف عن المحاولة!

هذه الرحلة الملهمة التي خطوت نحوها فقط من أجل محبة إيزيس، رغم أنني ظننتها ستكون تاريخية بحتة مليئة بالمعلومات الصارمة التي لا يجيد عقلي الاحتفاظ بها، وجدت فيها عشرات الرسائل الإنسانية الشخصية جدًا، وزادتني إيمانًا بأن إيزيس ستظل بطلتي الخارقة المفضلة، ونموذج القوة النسائية الذي أحب أن أتطلع له، وأن تتطلع كل فتاة له، وتعرف أن القوة الخارقة ربما تكمن داخلها، وأنها لا تحتاج أجنحة ذهبية ولا درعًا خارقًا لتفعيلها، تحتاج فقط أن تؤمن بنفسها، وبقدرتها على الصبر والتحمل، وألا تخجل أبدًا من حزنها ولا ضعفها الإنساني!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة