تحل اليوم ذكرى ميلاد أحمد بن طولون ، إذ ولد في مثل هذا اليوم 20 سبتمبر عام 835م في مدينة بغداد بالعراق، ويعد أحمد ابن طولون أحد أبرز الحكام الذين تركوا بصمة فارقة في تاريخ مصر خلال العصر العباسي، بعدما ارتبط اسمه بمرحلة شهدت تحولات سياسية وإدارية مهمة، وأسهمت فى ترسيخ ملامح تجربة حكم جديدة داخل البلاد، فمنذ وصوله إلى مصر، بدأ ابن طولون في بناء نفوذه تدريجيًا، مستفيدًا من الظروف السياسية التي أحاطت بالدولة العباسية آنذاك، حتى أصبح واحدًا من أبرز الشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر في القرن الثالث الهجري، وفي ذكرى ميلاده، نستعرض أبرز محطات حياته، وكيف انتقل من حاكمٍ جاء إلى مصر نائبًا عن غيره إلى مؤسس لإمارة تركت أثرًا واضحًا في تاريخ البلاد.
أحمد بن طولون يدخل مصر كنائب للوالي
كان "بايكباك" التركي من أحد أبرز العناصر التركية، والذي برز على المسرح السياسي على أثر الصراع الذي انتهى بِمقتل الخليفة المُستعين وتولية المُعتز. وكان هذا القائد التُركي في مقدمة القادة الترك الذين أداروا هذا الصراع، وقد تقاسموا الأعمال والنواحي فيما بينهم. فأقطع المعتز بايكباك أعمال مصر ونواحيها، ويبدو أنه خشي مغادرة عاصمة الخلافة حتى لا يتعرض للعزل، وآثر أن يبقى قريبًا من مركز السلطة يشارك في اتخاذ القرارات، وأناب عنه أحمد بن طولون في مصر، وقد فضَّله على غيره لما عرف عنه من حسن السيرة وبفعل قرابته له، فهو زوج أمه وذلك وفق ما جاء ضمن مشروع حكاية شارع التابع للجهاز القومي للتنسيق الحضاري.
وقد وصل أحمد بن طولون مصر في 15 سبتمبر 868م، وكانت السياسة السائدة آنذاك أن يتولى السلطة في مصر أكثر من شخصٍ حتى يراقب بعضهم بعضًا، فكان عامل الخِراج “أحمد بن محمد بن المدبر”، ذو السيرة السيِّئة في المُجتمع المصري بِفعل شدَّته وقسوته، وهو من دهاة الناس وشياطين الكُتاب، وما أن استقر أحمد بن طولون في الفسطاط حتى ساءت علاقته بابن المُدبِّر الذي حاول استقطابه بِعشرة آلاف دينار، فرفض ابن طولون الهديَّة وردَّها بفعل أنه دخل مصر وهو مُفعم بتطلعات سلطوية تفوق كل حد. أدرك ابنُ المُدبِّر أنَّهُ أمام رجلٍ طموحٍ قد يُشكِّلُ خطرًا عليه، فراح يُحيكُ المُؤامرات للتخلُّص منه أو إبعاده عن مصر، فأرسل تقريرًا إلى دار الخِلافة أوضح فيه بأنَّ أحمد بن طولون رجل لا يُؤتمنُ لا على ولاية مصر ولا حتَّى على طرفٍ من الأطراف واتهمهُ بأنَّهُ ينوي الاستقلال بِمصر.
أحمد بن طولون يؤسس الدولة الطولونية
تصدَّى أحمد بن طولون لِهذه المُؤامرة التي صاغها ضدَّه ابن المُدبِّر واستقطب بعض التُجَّار في مصر والعراق، فاستخدمهم لاستمالة أولي الأمر في بغداد عن طريق بذل المال، وقد نجح في هذا المضمار حيثُ مكَّنتهُ هذه السياسة من الاستمرار في حكم مصر، كما كانت دعمًا آخر له إضافةً إلى دعم بعض القادة التُرك المُهيمنين على مُقدرات الخِلافة مثل بايكباك ويارجوخ، واستمال أحمد بن طولون الوزير الحسن بن مُخلَّد عن طريق بذل المال أيضًا، فأرسل لهُ هذا الكُتب التي كان يبعثها ابن المُدبِّر وشُقير الحاجب ضدَّه، وبهذا الأُسلوب السياسي كشف ابن طولون أعداءه واطلع على حقيقة موقفهم منه، لِذلك قرَّر التخلُّص منهم حتَّى تخلو له الساحة السياسيَّة، وساعدت الظُروف السياسيَّة، التي حدثت في بغداد، أحمد بن طولون في تثبيت أقدامه في مصر، فقد حدث أن قُتل بايكباك في سنة 870م وخلفه القائد التُركي “يارجوخ” وهو ختن ابن طولون، فكتب إليه: "تسلَّم من نفسك لنفسك".
وعندما توفي يارجوخ في سنة 873م قام الخليفة المُعتمد باقرار أحمد بن طولون واليًا على مصر، وبذلك أضحى حاكم مصر الشرعي من قِبل الخِلافة مُباشرةً، وتُعدُّ هذه السنة سنة تأسيس الإمارة الطولونيَّة، وفي سنة 877م ورد كتاب المُعتمد إلى أحمد بن طولون يطلب منه إرسال خراج مصر، فردَّ عليه قائلًا: «لستُ أُطيقُ ذلك والخراجُ بِيد غيري»، فما كان من المُعتمد عندئذٍ إلَّا أن قلَّده خراج مصر وولَّاهُ إمرة الثُغور الشَّاميَّة على أثر اضطراب أوضاعها. فأضحى بذلك سيِّد الديار المصرية كُلَّها والمُشرف العام على جميع أعمالها العسكريَّة والإداريَّة والقضائيَّة والماليَّة، وقام بِضرب الدينار الأحمدي رمزًا لِهذا الاستقلال، وبذلك تم إعلان الدولة الطولونية، وهي إحدى الدول المستقلة عن الدولة العباسية، وتمثِّل الدولة الطولونية أول تجربة حكم محلي تحكم فيه أسرة أو دولة حكمًا مستقلاًّ عن حكومة الخلافة العباسية المركزية، حيث تعاقب عليها عدد من أفراد أسرة ابن طولون حتى تم إنهاء الدولة الطولونية على يد “محمد بن سليمان الكاتب”.