أحمد إبراهيم الشريف

دعوة لإطلاق أيام التراث المصرية

الأحد، 20 سبتمبر 2026 12:10 م


قرأت أن فرنسا تفتح، أبواب عدد من مبانيها التاريخية وقصورها ومواقعها التراثية أمام الجمهور (يومي 19- 20 سبتمبر) وتدعو الناس إلى الدخول إلى أماكن ربما مروا بجوارها عشرات المرات، وشاهدوا واجهاتها وصورها، دون أن يعرفوا ما تخفيه جدرانها من حكايات، أو ما شهدته غرفها من أحداث، أو ما تركه أصحابها من أثر فى تاريخ البلاد، وهى فكرة تستحق أن نتوقف أمامها، وأن ننظر من خلالها إلى علاقتنا نحن بتراثنا، وبالأماكن التى صنعت جانبًا من ذاكرتنا.

وبحسب وزارة الثقافة الفرنسية، تقام الدورة الثالثة والأربعون من أيام التراث الأوروبية تحت عنوانين، الأول "تراث التصوير الفوتوغرافى"، والثانى "التراث المعرض للخطر: الإحياء والمقاومة وإعادة التصور"، وتشمل الفعاليات فتح مواقع تاريخية لا تتاح زيارتها عادة للجمهور، وإقامة معارض وجولات وأنشطة للتعريف بالتراث وسبل الحفاظ عليه.

وما يعجبنى فى هذه الفكرة أنها تعيد النظر فى وظيفة التراث، فالمبنى القديم الذى اعتدنا النظر إليه من الخارج، يمكن أن يصبح جزءًا من حياتنا حين ندخله ونتعرف على تاريخه، وحين نعرف من عاش فيه، وكيف كانت تسير الحياة بين جدرانه، وما الذى تغير فيه عبر الزمن، عندها يصبح المكان أكثر قربًا منا، وتتحول الحكاية التاريخية إلى معرفة نكتسبها بأنفسنا، ونحملها معنا بعد انتهاء الزيارة.

ومن هنا أدعو إلى إطلاق "أيام التراث المصرية"، لتكون مناسبة ثقافية سنوية، نعيد خلالها اكتشاف ما نملكه من آثار ومتاحف وقصور وبيوت تاريخية ومكتبات وأرشيفات، ونفتح أبواب الأماكن التى تسمح طبيعتها باستقبال الجمهور، ونجعل من هذه المناسبة فرصة للتعريف بتاريخنا، وإعادة قراءة ما تركته الأجيال السابقة من آثار وشواهد على حياتها.

وأتصور أن تتولى وزارة الثقافة، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار والمحافظات والجامعات والمؤسسات الثقافية، تنظيم هذه الأيام، وأن تمتد فعالياتها إلى مختلف أنحاء الجمهورية، فلكل محافظة تراثها وحكاياتها وأماكنها التى تستحق أن يعرفها الناس، وأن يكون لكل دورة عنوان خاص، مثل العمارة المصرية، أو ذاكرة المدن، أو تاريخ التصوير الفوتوغرافى، أو التراث الشعبى، أو حياة الأدباء والفنانين.

وأرى أن تشمل الفعاليات جولات داخل المبانى التاريخية، ولقاءات مع الباحثين والمرممين، ومعارض للصور والوثائق النادرة، وعروضًا للحرف التقليدية، وأنشطة للأطفال والشباب، وأن تتاح للطلاب فرصة التعرف على تاريخ مدنهم وقراهم، من خلال زيارات منظمة تقدم لهم الحكاية التاريخية فى المكان الذى شهد أحداثها.

ولدينا فى مصر أماكن كثيرة تستطيع أن تقوم بهذا الدور، لدينا البيوت التاريخية التى احتفظت بملامح الحياة المصرية فى عصور مختلفة، ولدينا بيوت الأدباء والفنانين التى تحولت إلى متاحف، ولدينا القصور والمبانى القديمة والشوارع التى تحمل أسماء وحكايات وأحداثًا صنعت تاريخنا، وكل مكان من هذه الأماكن قادر على أن يقدم لنا فصلًا من كتاب كبير اسمه مصر.

ولعل من المهم أن يصاحب هذه الأيام مشروع لتوثيق ذاكرة المكان، يجمع الصور القديمة للمبانى والشوارع والأحياء، ويعيد تقديمها للجمهور إلى جوار صورها الحالية، مع التعريف بتاريخ الأماكن وما شهدته من تغيرات، وأن تشارك فى هذا المشروع المكتبات والأرشيفات والباحثون وأصحاب المجموعات الخاصة.

إننى أدعو إلى أن تصبح "أيام التراث المصرية" موعدًا سنويًا ينتظره المصريون، يذهبون فيه إلى الأماكن التى صنعت تاريخهم، ويكتشفون حكاياتها، ويتعرفون على ما تحمله من جمال ومعرفة، فكل مكان نعرف حكايته يصبح أقرب إلينا، وكل أثر نفهم قيمته يمنحنا سببًا جديدًا للحفاظ عليه.
إننا نملك تاريخًا طويلًا وذاكرة ممتدة، وأعتقد أن الوقت قد حان لنفتح أبواب هذه الذاكرة، وندعو الناس إلى الدخول إليها، ونجعل من تراثنا كتابًا مفتوحًا يقرأه المصريون عامًا بعد عام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة