في تلك الليلة، وأنا أقف على سور الجسر، كنت أنتظر لحظة ينعدم فيها المارة، لألقي بنفسي من فوق الجسر، وأريحها من شقائها، وأرحم نفسي من هذا العذاب الذي يلاحقني.
وقفت أنظر إلى الماء وأستمع إلى صوته، فإذا برجل تجاوز الثمانين يمسك بيدي.
نظرت إليه، وأخرجت له ما كان معي من مال، فقد ظننته متسولًا. لكنه ابتسم لي وشكرني، ثم أمسك بيدي ووضع المال في جيبي مرة أخرى.
قال:
— لا تؤاخذني يا بني، فإني أريد منك شيئًا لدقائق.
كانت الدهشة تعلو وجهي.
قال إنه يريد مني أن أساعده في اجتياز الجسر ونزول درجات السلم، خشية أن تخونه قدماه فيسقط على الأرض.
قلت:
— سمعًا وطاعة يا أبي.
شقّت كلمة «أبي» أذنه، فرأيت السرور على وجهه. أخذ بيدي، وأسند يده عليها، وسرنا بخطوات بطيئة تناسب سنه.
قال:
— أتعبتك معي؟
قلت:
— لا تعب ولا حاجة، الأمر يسير ولا يستحق الشكر.
قال:
— هل يزعجك لو جلسنا قليلًا؟ فقد تعبت.
قلت:
— لا شيء.
جلسنا عند بداية السلم.
قال:
— يبدو أنك رومانسي، فقد رأيتك تطلع إلى الماء مستغرقًا في التفكير.
ابتسمت.
قال:
— هل يزعجك لو تكلمت معك قليلًا؟ أريد أن أسرد عليك حكاية. هل تسدي لي معروفًا وتسمع مني؟ هل أنت في عجلة من أمرك؟ فإن حكايتي لن تستغرق سوى دقائق.
قلت، وعلامات اليأس على وجهي:
— بل قل ما تشاء، حتى لو ظلت ساعة، فإني أسمعك.
قال:
— منذ خمس عشرة سنة ماتت زوجتي، ولي ابن وحيد سافر مع زوجته، وانقطعت عنا أخباره. فلما ماتت زوجتي، أحسست بفراغ ووحدة ضاقت بهما نفسي، ومع فقدان التواصل مع ابني، وعدم معرفتي عنه شيئًا، شعرت أن الليالي لا تنقضي، وأن روحي معذبة، ولا أطيق العيش في هذه الدنيا.
وصمت قليلًا، ثم تابع:
— قررت مفارقة الحياة. أحضرت أقراصًا لأتناولها مرة واحدة وأنهي حياتي بيدي. فما في الحياة خيرة بعد أن فقدت أحب اثنين إليّ: زوجتي وولدي.
جلس في الصالة، وأمامه الأقراص وكوب من الماء. وكانت زوجته قد اشترت يومًا مرآة، ومن فرط إعجابها بها علقتها في الصالة لتكون دائمًا أمامها. كانت تقول إنها تبدو في هذه المرآة بالذات أكثر جمالًا وحيوية من أي مرآة أخرى.
كانت تقف أمامها وتبتسم وتطيل النظر إلى نفسها، حتى قلت لها يومًا إنها سوف تجن من كثرة النظر في هذه المرآة.
نظر إلى المرآة نظرة أخيرة، وأمسك بالأقراص.
فإذا بزوجته كأنها تطل إليه منها.
استغرب، ووكأني أسمع صوتها تسألني:
— ماذا تفعل؟
قالت:
— لا أستطيع أن أعيش بدونك.
قالت:
— كيف هذا؟ كنت، وأنا مريضة بين الحياة والموت، أتمنى لحظة حياة، وأتطلع إلى غيري وأغبطه لأنه يملكها. الحياة نعمة كبيرة. ففي المستشفيات يحارب الإنسان الأمراض، ويدفع المرضى كل ما يملكون من أجل يوم أو ساعة في ظل الحياة. كيف تفرط فيها وأنت أعقل من أن تقابل النعمة بهذا الجحود؟
ثم قالت:
— أريدك أن تحيا ما دامت أنفاسك تتردد في صدرك. عش إلى آخر لحظة، فأنا أحب ذلك. فهل تقبل رجائي؟
نظرت في استحياء إلى الأقراص التي في يدي، ثم ألقيتها بعيدًا.
ذهبت إلى فراشي سعيدًا لرؤيتها، وأنا أملك أملًا كبيرًا.
ومرت شهور، وبدأت أستمتع بكل لحظة في خدمة من أستطيع أن أقدم لهم العون.
ثم جاء ابني من الخارج، وبكى عند قدمي لفراقه أمه وموتها دون أن يراها. وأنجب ولدًا وبنتًا؛ أحفادي.
هو الآن يعيش معي، وأنظر إلى أحفادي، فأمتلئ فخرًا وحبًا بهم، وهم يحبونني جدًا، ولا يفارقونني إلا في الساعات التي أنفرد فيها بنفسي، كهذه الليلة.
وكلما تذكرت ما كنت سأفعله، أسفت لذلك.
قام العجوز، وأنا أنظر إليه، واستند إلى يدي، ونزلنا السلم.
كان هناك طفلان ينتظران أسفل السلم. أشار إليهما، فاحتضناهما بعد أن وصل إليهما، ثم مشى بخطواته البطيئة نحو السيارة التي كانت تنتظره على بعد خطوات.
وعند السيارة، وهو يفتح الباب، نظر إليّ وابتسم للمرة الأخيرة قبل أن يدخل.
وقفت مبهوتًا.
وقع كلامه في قلبي، وغيّر مجرى تفكيري وحياتي.
ذهبت إلى البيت، فاستحممت، وحلقت ذقني، ومارست بعض الرياضة حتى تعبت، ثم نمت نومًا عميقًا؛ نومًا حُرمت منه منذ أيام أو شهور، لا أدري كم مضى على حالتي هذه، ولا أريد أن أدري.