لم تُكمل الحكومة اللبنانية عامها الثانى؛ لكنها تحوز ثلاث شهادات ثقة حتى الآن. كلها ذات دلالات مُتعددة ومركبة فى سياقها، وما أسفرت عنه من أرقام واصطفافات؛ غير أن الأخيرة أهمها بالمعنى والأثر.
أسفر الاقتراع عن ثقة 68 نائبًا، مقابل حجبها من اثنى عشر، وامتناع اثنين عن التصويت، وذلك بعد مُغادرة نواب الحزب/ كتلة الوفاء للمقاومة.
الإشارة الأولى والأبرز؛ أن الحليف والأخ الأكبر حافظ على شبكة الأمان الممنوحة للحكومة، بتصويت كُتلة التنمية والتحرير التابعة لحركة أمل لصالح نوّاف سلام وحكومته.
فى المرة السابقة؛ كان عدد الواثقين أكبر بصوت واحد، والرافضين والمُمتنعين أقل بصوتٍ أيضًا؛ لكن الحزب ظل داخل القاعة، وكانت أصواته الثلاثة عشر من جُملة أغلبية التسعة وستين.
ولا يُقارَن ذلك بالمرّة الأولى، عندما حصدت 95 قبولاً، مقابل ستّة عشر رفضوا وامتنعوا. فكأن أصدقاءها تقلّصوا، وأعداءها كذلك. فيما الواقع أن الحسابات لا تُوزَن هكذا، ووراء ظاهر الأرقام خفايا وكواليس تستوجب النظر.
تحرّكت التركيبة عمّا كان قبل عشرين شهرًا، ولا تزال تتحرك. والجدية التى أثبتها الرئيس والحكومة حسّنت قبولهما لدى مُعارضى الميليشيا الحزبية من كل التيارات، ولم تُفقدهما دعم الشيعة صراحة عبر أمل، وضمنيا عبر رمادية الحزب وإمساكه العصا من المنتصف.
يمكن القول إن أصوات منح الثقة الأولى لا تزال فى محفظة نوّاف سلام، وتُضاف إليها حصيلة الضيق من ممارسات نعيم قاسم، وبصمة حرس الثورة على الجنوب، وانكشاف هشاشة الشعارات وأنها باتت عبئا على بيئتها، وعلى البلد كاملاً.
حزب الله يستضعف الشرعية، لكنه يحتمى بها؛ ما يُدلّل عمليًّا على افتقاده الأمل تماما من جهة السلاح وشعارات المقاومة، وتيقّنه التام من أن عباءة طهران لن تستره اليوم، أو تُجنّبه تداعيات الانكشاف الفادح، ومخاطر العناد والمكايدة مع استمراء البقاء وحيدا خارج مظلة الدولة.
غرق الحزب فى سرديته، وغرقا معًا فى عوار الموقف وتناقض القول مع الفعل. والأصل أنه يؤسِّس شرعيته على المقاومة، وحماية البلاد والعباد؛ غير أنه كان سببًا فى ضياعهما، بالاحتلال والنزوح. قدّم الدويلة على الدولة، ورفع ولاءه لإيران ومُرشدها الأعلى، فوق هُويّته الوطنية وانتمائه اللبنانى.
تهجّم على خيارات السلطة والمؤسسات، وصعّد فى حربه الشعواء لدرجة الاتهام بالخيانة، لمُجرّد أن الرئيس عون دعا للتفاوض المباشر، وذهب إليه، وسارت معه حكومة نوّاف سلام، اضطرارًا، على شوكٍ زرعته الميليشيا/ إخوة الداخل، بشراكة غبية مع الصهاينة/ عدو الخارج.
اعتبر نعيم قاسم وعصبته أن مُجرّد المطالبة بحصر السلاح عمالة؛ حتى لو أنه سيظل تحت السقف، وفى عهدة الجيش.
وفى المقابل؛ فقد تعامَى عن أنه ينتسب لعاصمة أخرى، يأتمر بأمرها وينشغل بمصالحها، كما أنه عندما خُيِّر فى مرتفعات على الطاهر؛ اختار أن يُخرج لسانه باتجاه بيروت، ويترك الأرض للوافدين من جهة تل أبيب. لقد أخلى السارية لعلم إسرائيل بدلا من لبنان، ولَغَّ فى مستنقع الحرب الأهلية؛ ثم لحق بنظام الأسد ومن ورائه إيران فيما بعد. رفع السلاح على الجميع، ونحر خصومه ومُعارضيه فى عرض الطريق؛ حتى أنه استحلّ دم رئيس وزراء فى عاصمته وعلى مُقربة من البرلمان.
وإلى ذلك؛ فقد ورّط البلد فى حرب العام 2006 بلا مُبرّر؛ إلا أن يُغطّى على جرائمه السابقة. وأعلن أمينه السابق حسن نصر الله ندمه لاحقا.
وعندما خرج بخسارة ظاهرة؛ حوّلها نصرًا فى الدعاية، ووجّه فائض قوّته إلى الداخل، ليصرفه على حساب الآخرين فى صورة الثلث المُعطّل، والاستبداد بالسلطة من يومها إلى محطة «طوفان السنوار».
فساد لم يكن بعيدًا عنه، أطاح بالنظام المصرفى قبل سبع سنوات، وعنف فى مواجهة الغضب الشعبى العابر للطوائف. وكان انفجار المرفأ فى 2020 تتويجًا لأقصى حالات الوظيفية والانحطاط ورهن المصائر لحسابات ضيقة أو فوق وطنية.
اضطُرّ بعد معركة الإسناد الأولى عقب السابع من أكتوبر إلى تمرير خيار العماد عون على مضض، وبالتبعية حكومة سلام أيضًا.
شارك فيها ومنحها ثقته، وبطبيعته لا يثق فى أحد، ولا يقنع بمنطق الشراكة؛ بل لا يرضى بأقل من الاستتباع كما فعل مع ميشال عون وصهره جبران باسيل؛ لكنه كان مُضطرًّا، وليس أمامه أى بديل آخر.
والمفارقة؛ أنه يطعن الرئاستين الأولى والثالثة صباح مساء، وربما لا يمنعه من المساس بالثانية/ الأخ الأكبر نبيه برّى؛ إلا المذهب والحاجة وضرورات المرحلة، وسبق أن انسلخ الحزب من حركته «أمل»، وصعد على أكتافها، وسعى بكل الصور إلى تنحيتها واحتكار البيئة الشيعية بالكامل.
يواجه الحزب مشكلة مزدوجة مع السلطة التنفيذية، الرئيس والحكومة؛ ولعلها أكبر مع الأول.. وإذ لا قِبَل له بالخصومة، ولا مناص من احتمال ولايته الرئاسية لآخرها؛ فقد يكون البديل لديه أن يُشاغب الجناح الثانى.
العلاقة مُرتبكة بين الضاحية وقصر بعبدا؛ لكنهما يُحافظان معًا على الحد الأدنى من توازنها. وحتى لو ساءت؛ فالحزب قوّة سياسة واجتماعية لا يُمكن أن تُشطَب بقرار.
والرئيس سلطة شرعية لا سبيل لكَفّ يده إلا بالمساءلة الجنائية المُؤطّرة بحالتين فقط: الخيانة العظمى وخرق الدستور، وكلاهما غير متحقق فى الرجل، كما أن أغلبية الثلثين غير متوافرة، ولن تتوافر لكُتلة أو ائتلافٍ.
وإذا كان مفهومًا أن يُشارك الحزب فى الحكومة عند تشكيلها؛ لأنه كان يتستّر فيها، ويُراهن على استمالتها، أو تمييع أدائها بموجب بيانها المُعلن وقتها؛ فالبقاء فيها حتى الآن، مع استمرار تخوينها والتعريض بها، من باب المفارقات التى باتت بضاعة رائجة لدى الحزبيين.
اتهامات صريحة؛ ثم حفاظ على وزيريه كما هما، وانسحاب من جلسة التصويب على طرح الثقة، فى موقف لا يُحمَل على الموافقة الجازمة قطعًا؛ لكنه ليس رفضًا، ويظل أخف حتى من الحضور والامتناع عن التصويب.
والحال؛ أن الحزب إمّا يأخذ أمرًا بموقف من الاثنين، أو يُردَع عن الآخر. كأن طهران تأمره بالمُزايدة على الإدارة الشرعية فى لبنان، أو تكبح اندفاعته لمحاولة إسقاطها وتعرية المجال السياسى من مظلتها المقبولة دوليا.
وفى الحالين؛ نحن إزاء قرار يُطبَخ بالخارج، لا يشبه الحزب، ولا يُؤمَن المكر فيه والتحول عنه الآن أو لاحقًا.
كانت الثقة الأُولى محاولة لترصيص الصفوف، وترميم الميثاقية. الثانية كانت ردًّا على مساعى اختطاف السلطة والقرار، أو تكرار مناورات الحزب القديمة، والثالثة فى حقيقتها إيذان بانتهاء زمن الميليشيا/ الدويلة فوق الدولة، وأن مراسم دفنها مُجرّد وقت لا أكثر.
أخذت إيران علمًا بانكسار الطوق، وتداعى المحور؛ لكنها تُمسك فى أوراقها المُحترقة إلى أن تفنى. والحزب يُعرفُ أنه أضعف من التأثير فى الصراع، وقد خسر صورته القديمة، ويُغامر بحيّز وجوده فى المستقبل؛ لكنه مأمور ولا يملك حرية القرار.
معركة مع الماضى، ولن يكون التحرر من أَسْره سهلاً؛ غير أنه آتٍ فى كل الأحوال. فارق قبول الأصوليات من رفضها؛ ينحصر فى الكُلفة وما يسببونه من أذى لمُجتمعاتهم.
وسيمضى الزمن فى كل الأحوال. والثقة المتكررة فى اتجاه؛ إنما تنزع الغطاء عن ضدّه، وتُعرّيه مع الوقت من السائرين فيه والمخدوعين بأوهامه الزاعقة.