د.إيمان يسرى

الصوت القلِق

الأحد، 20 سبتمبر 2026 02:01 ص


منذ عدة أيام، تمت دعوتي لحضور مناقشة كتاب "قلق مستعمل" للأديب "علاء أحمد"، وكان اللقاء من تقديم الصحفية "جيهان حسين". ولقد استمتعت كثيرا بحضور هذا اللقاء لأنه، من وجهة نظري، كان لقاء عميق جدا وقريب جدا للنفس البشرية، فمِن مَن بني البشر لا يقلق؟! ربما يقول البعض "أنا لا أقلق"، ولكن في حقيقة الأمر هم اعتادوا القلق لدرجة أنهم أصبحوا لا يشعرون به!

في مقال سابق بعنوان "الصوت والمشاعر"، تناولت مفهوم المشاعر والفرق بينها وبين الأحاسيس وعلاقة كلاهما بالصوت البشري وتأثير كل منهما على الأخر. والقلق نوع من أنواع المشاعر الإنسانية الطبيعية التي تنتاب الإنسان من وقت إلى أخر، وربما تلازمه بشكل مزعج، لتصل إلى مرحلة اضطراب القلق المرضي، الذي يحتاج إلى تدخل نفسي لمساعدة الشخص في التغلب على قلقه الدائم، الذي أصبح يؤثر سلبًا على حياته. وفي هذا المقال، اسمح لي صديقي القارئ أن أركز على علاقة شعور "القلق" بالصوت الذي يتحدث به الشخص القلوق.

القلق هو شعور دائم بالترقب والانزعاج والخوف الدائم مما سيحدث، مما يجعل الجسد والعقل في حالة من التأهب المستمر، وفي حالة استعداد للمواجهة كآلية دفاعية، ويترتب على ذلك بعض الأعرض الجسدية، وتشمل: زيادة ملحوظة في معدل ضربات القلب، وخفقان شديد، ضيق أو سرعة التنفس، التعرّق المفرط، الارتجاف أو الرعشة، والاضطرابات الهضمية، مثل، الغثيان والإسهال وآلام المعدة والبطن. وتؤثر تلك الأعراض حتما على صوت الشخص عندما يتحدث، لأن الشعور بالقلق يشد عضلات الحنجرة والصدر والبطن، مما يؤدي إلى ضيق التنفس أو سرعته أو اضطرابه، وبالتالي يضطرب صوت المتكلم.

ويتأثر صوت المتكلم بشعور القلق بشكل واضح ومباشر ويصعب السيطرة عليه، إلا من خلال تلقي تدريبات صوتية متخصصة للسيطرة على الصوت في تلك الحالة.  ويظهر القلق على صوت المتكلم من خلال بعض المعايير الصوتية الهامة، وتشمل: 1) طبقة الصوت وقوته وتتمثل في صوت غير مستقر ومتذبذب، ومنخفض القوة ومهزوز ثم يعلو فجأة بشكل دفاعي، إضافة إلى ارتعاش الصوت بشكل لا إرادي، نتيجة ارتعاش عضلات الحنجرة من شدة الشعور بالقلق   مما يوحي بصوت مجهد ومرهق. 2) سرعة الكلام وإيقاع الكلام ويتمثلان في كلام سريع ووقفات غير منتظمة وإيقاع متقطع، ويحدث ذلك نتيجة الشعور اللاإرادي للمتكلم بالانتهاء سريعًا من التحدث، مما يعطي شعور للمستمع بأن المتكلم يجري ويلهث، بينما هو يتحدث! 3) معدل التنفس يتمثل في تنفس سطحي وسريع جدا، ثم فجأة يتوقف المتكلم ليأخذ نفس، ثم يعاود التحدث بسرعة كبيرة وبدون انقطاع لأخذ نفس في أي مقطع في منتصف الحديث، مما يتسبب في اضطراب كبير في معدل الكلام بشكل عام.  وتؤثر كل تلك المعايير على وضوح الصوت والكلام بشكل عام، حيث لم ينطق المتكلم القلوق الكلمات كما يجب أن تُنطق، ولم يقف على نهايات الكلمات بشكل واضح، بل ينتقل إلى الكلمات التالية دون الانتهاء من نطق الكلمة السابقة، بحيث تُنطق بعض الحروف والمقاطع ناقصة وغير مكتملة.

وبعد سرد كل تلك المعايير الصوتية العلمية التي توضح الصوت القلق، والتي ربما لم تعيها جيدا صديقي القارئ، وهذا أمر طبيعي، فليس مطلوب منك أن تصبح خبير صوتي كي تتعرف على الصوت القلق، أو الشخص القلوق. لكنك في حقيقة الأمر تميز الشخص القلوق من طريقة كلامه، دون أن تدري بأنه شخص قلوق! وذلك بصفتك كمستمع تحس وتشعر بالصوت.

غالبا، تجلس وسط مجموعة من الأصدقاء وتجد نفسك تصدر أحكام بصفات شخصية على بعض الأشخاص، وتكون تلك الصفات غير مبررة بالنسبة إلى غيرك! مثلما يحدث تماما في المقابلات الشخصية، للحصول على عمل أو وظيفة. فقد تستمع إلى شخص ما، وبعد أن ينتهي من حديثه، تقول إنه شخص غير واثق من نفسه، أو شخص مهزوز، أو شخص متردد أو شخص غير متزن، أو ترغب في إنهاء الحديث معه دون سبب، ولكنك تشعر برغبة شديدة في ذلك، نتيجة ما ينقله لك من قلق، من خلال صوته، حتى إذا كان يتحدث في موضوع إيجابي. كل تلك الأعراض التي تتلقاها كمستمع، تدل على شخص قلق ويحتاج إلى مساعدتك كي تطمأنه.

بعض الأمهات، أو غالبيتهن قديمًا، تجيد طمأنة من حولها (أبناء، زوج، أخوة، صديقات)، بحيث من يتحدث معها وهو يشعر بالقلق، ينتهي قلقه. وهي تفعل ذلك وتعي جيدا أن الشخص الذي يتحدث معها يشعر بالقلق، وتذكر ذلك بوضوح عندما تتحدث عن الأمر، وربما لم يلفظ أو يصرح الشخص المتكلم عن شعوره بالقلق، ويأتي ذلك من قدرتها على أن تقوم بدروها كـ "مستمع جيد" يشعر ويحس بصوت المتكلم.

كثيرا ما نرى في شروط المتقدم لإعلانات الوظائف، أن يكون مستمعًا جيدًا، ولم يفسر أحد معناها، وأنا شخصيا عندما كنت في المرحلة الثانوية، كنت أتصور أن لها علاقة بالصم والبكم، بحيث يشترط أن يكون الشخص معافى سمعيا. ولم أكن أدري حينها أن للأمر بُعد أخر. فالمستمع الجيد له دور كبير في التعرف على الشخص القلوق من صوته. قديما، كان أفراد الأسرة يتحدثون ويستمعون جيدا إلى بعضهم البعض، ولذلك لم تحظى الأمراض النفسية، مثل القلق والاضطراب، بانتشار كبير، مثلما تحظى به الآن. فغالبيتنا ليس لديه الوقت ليصبح مستمع جيد لأبنائه أو أصدقائه، ونكتفي بالتواصل عبر رسائل نصية جامدة عبر مواقع التواصل المختلفة، والتي لا تعبر عن حقيقة الشعور بالقلق، بل تزيده. حيث أصبحت كافة المعلومات الغامضة والأحداث السيئة والأخبار المحزنة والمزعجة، منتشرة لحظية، ويتم تداولها ونشرها بشكل يزيد من القلق والاضطراب لدينا جميعا. فأصبح الشعور بالقلق كامن بداخلنا بشكل يؤثر سلبا على صحتنا الجسدية، وعند الذهاب للطبيب يكون التشخيص، توتر زائد أو قلق زائد (Stress)!

صديقي القارئ، القلق شعور إنساني طبيعي، ولكن انتبه جيدا للعوامل الخارجية التي تزيده لديك بحيث يتحول إلى اضطراب قلق مزمن. واعلم جيدا أن أكثر شيء يمكنك الاستثمار فيه هو "نفسك"، لأن صحتك النفسية أهم كثيرا من أي أغراض مادية أو التزامات مجتمعية مفروضة علينا، تحت بند الظهور بشكل مثالي. فالمثالية الحقيقية تكمن في كونك "أنت" بتعبيرك عن إنسانيتك وأخلاقك الراقية وتعاملاتك اللبقة، وليس بقدرتك على كبت مشاعرك الإنسانية والتغاضي عنها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة