عادل السنهورى

التكريم الحقيقى لفنان الشعب سيد درويش

الأحد، 20 سبتمبر 2026 08:40 م


يوم 15 سبتمبر الماضي يكون قد مضى على رحيل فنان الشعب سيد درويش 102 عاما ومازال -بموسيقاه وأغانيه- هو الأصل والسيد والامام المجدد للموسيقى الشرقية. وعلى الرغم من عمره القصير( عاش أقل من 31 عاما) فقد بلغ إنتاجه في حياته القصيرة من القوالب المختلفة العشرات من الأدوار وأربعين موشحا ومائة طقطوقة و 30 رواية مسرحية وأوبريت 

يحسب لسيد درويش أنه حرر الغناء من أقبية سلاملك وحرملك القصور طوال القرن 19 وبدايات القرن العشرين وأطلق له العنان ليردده كافة طوائف الشعب ليصبح معبرا عن معاناتهم واحالهم وأمالهم في الحرية والاستقلال والعدل... وقاد بصوته ثورة الشعب ضد الاحتلال الإنجليزي حتى استحق لقب" القائد والزعيم الفني لثورة 19" الى جانب زعيمها السياسي سعد زغلول. فقد غنى وراءه الشعب أغاني الثورة في كل أنحاء المحروسة.


ألهبت أغاني سيد درويش روح الوطنية لدى الشعب المصري الثائر، وكان لها الدور الكبير في تغذية روح الجهاد والكفاح و المقاومة وتوحيد طوائف الشعب حول القضية ومواصلة الثورة، والمطالبة بعودة سعد زغلول ورفاقه من المنفى.  ارتبط اسمه باسم ثورة 19 فأطلق عليه المصريون اسم فنان الشعب الذي غني للثورة وللفلاحين والعمال والصنايعية والباعة والبنائين والحمالين.


كان عمر سيد درويش خلال اندلاع أحداث ثورة 19 لا يتجاوز 27 عاما – من مواليد 17 مارس بالإسكندرية عام 1892- وانطلق بصوته يغني ضد الانجليز "بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي"، و "قوم يا مصري مصر دايما بتناديك" و"أنا المصري كريم العنصرين، بنيت المجد بين الإهرامين".


كان عام 1919– عام الثورة- أكثر السنوات إنتاجا فى تاريخ فنان الشعب سيد درويش الفني، فقد قدم في هذا العام 75 لحنا، وهو – كما يرى النقاد والمؤرخون الموسيقيون- دليلا على أنه كان متفاعلا مع مجريات الأحداث السياسية في البلاد بأعماله الفنية.


طارده الانجليز في كل مكان وصادروا أعماله المحرضة على الثورة والداعية لها و حتى بعد موته طاردوا سيرته بالشائعات والأكاذيب 
كراهية الانجليز لفنان الشعب تجاوزت الوصف حتى في لحظات موته المثيرة للجدل، والتي لم تخلو من اتهام الانجليز أنفسهم في التورط في قتله واطلاق الشائعات حول موته بتناوله جرعة زائدة من الكوكايين أو الهيروين وهي الشائعة الظالمة التي مازال كثيرون يرددونها حتى الآن.
بلغت الكراهية حد مصادرة أغانيه ومطاردته في المسرح وتوجيه الرقابة الى حذف مقاطع من أوبريتاته وتغيير أسماءها مثل ما حدث مع أوبريت " شهو زاد" الذي أجبرته الأسرة العلوية والملك فؤاد بتغييره وحذف بعض مقاطعه الى اسم "شهر زاد" بسبب تناوله انحرافات وشهوات وملذات الأسرة المالكة في ذلك الوقت.


عداوة الانجليز لسيد درويش لم تقل عند عدواتهم لسعد زغلول ورفاقه، بل ربما تجاوزوا في كراهية درويش لأنه لم يتوقف عن تصدير مدافعه الغنائية ضد الاحتلال واستنهاض همة الشعب وتحريضه على استمرار الثورة في الوقت الذي دخل فيه " الوفد" في مفاوضات مع دولة الاحتلال.


العداوة أيضا كانت مضاعفة، فقد تسبب بموافقه من الملك فاروق في كراهية العائلة العلوية. رفض سيد درويش أن يغنى في حضرة «صاحب الجلالة الملك فؤاد المعظم»، فى قصره وأمام الأمراء والوزراء لأنهم طلبوا منه حذف اسم «سعد»، من النشيد الذى أعده لاستقبال زعيم ثورة 1919 عند عودته من المنفى، ويضع مكانه لفظ فؤاد فيغنى «مصر وطنا.. فؤادها أملنا» بدلا من «مصر وطنا.. سعدها أملنا»، ورفض مع هذا الرفض مائة جنيه كان سيتقاضاها من القصر نظير غنائه، كما رفض أن يلقب «بمطرب الملك»، وفضل أن يكون فقيرًا ولكنه «فنان الشعب».


لم يمهله القدر ليكون في استقبال زعيمه سعد زغلول من المنفى فقد مات يوم العودة في 15 سبتمبر 1923 عن عمر لم يناهز الـ31 عاما، وفى الوقت الذى كان الشعب يغنى ألحان الشيخ سيد في استقبال زعيم الثورة كانت روحه قد صعدت إلى بارئها ولم يشعر بموته أحد، ويوم وفاته حملوه إلى مثواه ولم تحتفي به الدولة ولا الصحافة خوفا من سلطات الاحتلال وسطوة الملك فؤاد وحاشيته ولم يعرف الناس بموته الا بعد عامين..!!


تعرض سيد درويش لظلم فادح في حياته وبعد وفاته وخشى أنصار ودعاة الدفاع عن الموسيقى العربية والشرقية من تكريمه والاحتفاء به وهو الرجل الذي أحدث الثورة الحقيقية في الموسيقى والغناء الشرقي وحرره من الآسر ومن الانحطاط والاسفاف. فقد تجاهل المؤتمر الأول للموسيقى العربية والشرقية الذى عقد فى القاهرة في الفترة ما بين 28 مارس الى 3 ابريل عام 1932  تكريم فنان الشعب.


وربما يبدو أن هذا التجاهل كانت له أسباب تبرر تصرف القائمين على المعهد( مصطفى بك رضا أول رئيس له) و المنظمين للمؤتمر الأول للموسيقى العربية. فالمؤتمر عقد برعاية الملك فؤاد الذي ساهم بقطعة أرض في انشاء " نادي الموسيقى العربية " قبل ان يصبح اسمه" معهد الموسيقى العربية" ووضع حجر الأساس له في عام 1923 وقام بتصميم المبنى المهندس الإيطالي ارنستو فيروشى ..وكان من المنطقي عدم تكريم سيد درويش الذي هاجم الملك والاحتلال وتفاديا الصدام مع الملك وسلطات الاحتلال الانجليزي.


التكريم جاء من أوروبا فقد خلده النمساويون والإيطاليون، وضموا اسمه إلى أسماء الموسيقيين الخالدين لأنه سبق مشاهير الملحنين وقتها إلى الموسيقى والألحان الغربية مثل السامبا والفالس والتانجو.


ويبقى ونحن مازلنا نعيش ذكرى رحيل سيد درويش أن نطالب بتنظيم مؤتمر موسيقي كبير عن حياة فنان الشعب الاجتماعية والفنية يشارك فيه أساتذة الموسيقى العربية والشرقية من كافة أنحاء العالم وتقدم من خلاله الأبحاث والدراسات المتخصصة التي تنفض غبار الظلم والشائعات التي طالت سمعة الرجل وفنه ومحاولة اغتياله حتى بعد موته وإعادة الاعتبار لهذه العبقرية الموسيقية وتناقش زمنه وعصره ودوره في قيادة الثورة الموسيقية.


لا يكفي فقط أن ننظم دورات موسيقية تحمل اسم سيد درويش أو أن نعتبر يوم رحيله هو يوم الموسيقى المصرية، مع تقديري لهذه المبادرات القيمة لكن سيد درويش يحتاج الى ما هو أعمق من ذلك بكثير من خلال الدعوة الى مؤتمر عام عنه وتخليده بالشكل اللائق بإقامة متحف خاص به برعاية الدولة المصرية وترميم منزله بالإسكندرية والقاهرة.


سيد درويش – كما وصفه شاعرنا الكبير فؤاد حداد:"كان مصري كامل.. وكان عامل.. وكان فلاح.. وكان سيد وكان درويش...وكان واحد وكان الكل". فهل نعيد الاعتبار لفنان الشعب بما يستحقه؟".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة