لم يكن أثر أحمد بن طولون في مصر مقتصرًا على الجانب السياسي أو تأسيس دولته، وإنما امتد إلى مختلف جوانب الحياة، حيث شهدت البلاد في عهده اهتمامًا واضحًا بالعمران والزراعة والري والصناعة والرعاية الصحية، إلى جانب تركه عددًا من المنشآت التي أصبحت شواهد باقية على عهده حتى اليوم، وقد ارتبط اسمه بمشروعات أسهمت في تغيير ملامح الحياة في مصر، وجعلت من فترة حكمه واحدة من المراحل المهمة في تاريخها، وفي ذكرى ميلاده، التي تمر اليوم الأحد، إذ ولد في مثل هذا اليوم 20 سبتمبر عام 835م، نستعرض أبرز الأعمال والمشروعات التي أقامها أحمد بن طولون في مصر، وما تركه من آثار ما زالت حاضرة في الذاكرة التاريخية والمعمارية للبلاد.
أعمال أحمد ابن طولون في مصر
استطاع أحمد بن طولون استغلال موارد مصر استغلالًا حكيًما، فاستطاع إقامة نهضة شاملة في مصر، نذكر من هذه الأعمال:
بناء مدينة القطائع، لتكون عاطمة جديدة لدولته، واختار لمدينته المنطقة الممتدة ما بين جبل يشكر وسفحجبل المقطم حيث حرص على أن تقوم المدينة الجديدة على مرتفع من الأرض لتبرز على سائر المجموع العمراني بمصر، وبعد تأسيس المدينة أنشأ فيها أحمد بن طولون قصره الضخم وجامعه الشامخ ودارا للأمارة بجوار جامعه وكان بينهما ساحة فسيحة كانت ملعبًا له ولقادة الجيش، كما أنشأ المستشفيات والبيوت. وتشغل القطائع القديمة من أحياء القاهرة الحالية أحياء السيدة زينب والقلعة والدرب الأحمر والحلمية.
قصر أحمد بن طولون، الذي أنشأه في موقع ميدان القلعة الحالي وقد اندثر تمامًا.
جامع أحمد بن طولون، الذي يعد من أشهر جوامع مصر، وهو أشهر أعمال أحمد بن طولون، وقد أنشأه في الفترة بين عامي 263- 265هـ على مساحة ستة أفدنة ونصف، ويشعر زائره برهبة وخشوع عظيم، ومما يسترعى انتباه الزائر مئذنة الجامع بمظهرها الفريد فيالعمارة الإسلامية بمصر.
تشجيع الزراعة وزيادة الإنتاج الزراعي
بذل أحمد بن طولون قصارى جهده لتشجيع الزراعة وزيادة الإنتاج الزراعي، كما اهتم أحمد بن طولون بالري إلى أبعد حدود حتى أنه لجأ للسخرة لتحسين وسائل الرى بتطهير نهر النيل، وشق الترع، وأقام الجسور، وأصلح التُّرَع والقنوات التي تروي الحقول، وأصلح السدود المحطمة، وحمى الفلاحين من ظلم جُباة الضرائب وتعسفهم، وقد خفض قيمة الخراج وربطه بمقدار المحصول سنوياً توخياً للعدل في جبايته؛ مما أدَّى إلى ازدياد مساحات الأرض المزروعة من جهة، ووصول أسعار الحبوب إلى أدنى مستوى.
وقد قام أحمد بن طولون بإصلاح مقياس النيل بالروضة، الذي أقامه والي مصر “أسامة بن زيد التنوخي” سنة 715ملقياس ارتفاع منسوب مياه النيل، وما زال هذا المقياس موجودًا إلى اليوم في جزيرة الروضة.
وقد شيَّد أحمد بن طولون أيضًا في الجنوب الشرقي من القطائع قناطر للمياه، وكان الماء يسير في عيونها إلى القطائع من بئر حفرة في أسفلها، وكان يرفع الماء من البئر إلى القناطر بواسطة ساقية، وقد بنيت هذه القناطر من نفس الآجُرّ الذي بُني منه الجامع الطولوني. لهذا يعتقد أن المهندس الذي شيدها هو نفس المهندس الذي شيد الجامع، ولا تزال بقية من هذه القناطر باقية إلى اليوم في حي البساتين بالقاهرة.
ازدهار الصناعة والطب في عهد أحمد بن طولون
ازدهرت الصناعة في عهد أحمد بن طولون، ويأتي على رأس الصناعات التي اشتهرت بها مصر آنذاك صناعة النسيج، من ذلك صناعة الكتان التي اكتسبت أسواقًا جديدة، وكانت تُصنع أنواع مختلفة من الكتان، واشتُهِرَت مصر أيضًا بصناعة المنسوجات الصوفية، إضافة إلى المنسوجات المطرزة بالذهب والموشاة التي أنتجتها مدينة الإسكندرية عُرفت بجودتها العالية.
أنشأ ابن طولون بيمارستانًا سنة 872م لمعالجة المرضى مجانًا دون تمييز بين الطبقات والأديان، وجعل العلاج فيه دون مقابل، وألحق به صيدلية لصرف الأدوية.