حازم حسين

مصر والصين.. قمة الحضارة

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 02:00 م


نصف حضارة الأرض، أو يزيد، تلاقت فى القاهرة أمس، ويمتد اللقاء إلى غدٍ. والمُتحضّرون، أبناء التاريخ وآباؤه، يعرفون قدر بعضهم.

وعندما يتلاقون عرضًا أو فى قِمَم مُنّسقة سلفًا، يكون اللقاء على مستوى العراقة التى يحملونها فى أرواحهم، وتحت جلودهم، وفى كل سلوكٍ وخاطرةٍ لدى الصغير منهم قبل الكبير.

«الصداقة تقرّب القلوب؛ رغم بُعد المسافات».. كما يقول المثل الصينى الذى استحضره الرئيس شى جين بينج، فى مقاله المنشور عبر عِدّة صحف مصرية، أمس، إلى جوار مقال نظير للرئيس السيسى.

عاد الرجل بعد عشر سنوات من زيارته الأولى، وقد استشهد بالعبارة الذائعة عن «عودة مَن يشربون من ماء النيل» إليه مرّة ثانية.

وفادة مهمة فى الشكل والمضمون، والأسباب شتّى: بلد صديق، وصيف العالم فى الاقتصاد وينازع على ريادته، شريك فى بريكس وغيرها من فعاليات التحرّر واستعادة حقوق الجنوب.

كما أنها محور ارتكاز تُبنَى عليه مسارات متنوّعة للحركة فى السياسة والاقتصاد، وفى نقل المعارف والتقنية، وبناء صيغة مُتوازنة فى العلاقات الخارجية، تُتيح البدائل وتُغنى عن الارتهان لإرادة واحدة.

وليست مُصادفة أن تتزامن مع ذكرى مُهمّة للبلدين، إذ تمرّ سبعة عقود بالكمال على اعتراف مصر بالصين، وإطلاق العلاقات الدبلوماسية رسميا.

على أن الرابطة أبعد كثيرًا، بالأصالة ومن طَرَفٍ خفىٍّ أيضًا. وكان عبد الناصر التقى رئيس الوزراء الصينى تشوان لاى، على هامش مؤتمر باندونج 1955، فى التأسيس الأول لمجموعة عدم الانحياز.

قبلها بأكثر من عقدٍ كامل، تلاقت وفود ثلاث دولٍ لتوقيع «إعلان القاهرة»، تحديدًا فى مُستهل ديسمبر 1943، وينطوى على تعهُّد من واشنطن ولندن بإعادة كل أرضٍ صينية اغتصبها الاحتلال اليابانى.

مرّت سنتان تقريبًا؛ لينضم الاتحاد السوفيتى إلى الثلاثية السابقة، ويتجدّد التأكيد نفسه فى «إعلان بوتسدام»، وفى أغسطس من العام ذاته استسلمت اليابان مُتعهّدة بالتزام بنود بوتسدام؛ لكن رائحة القارة ظلّت فى الورقة، وفى ذاكرة الصين أيضًا.

وعلى طُول الأعوام التالية لم تنقطع الصِّلة، وتوطّدت الروابط ببطء صاعد، وما تباطأ البلدان عن تبادُل الدعم.

انحازت لنا بكين فى زمن العدوان الثلاثى وما بعده، ووقفنا بجانبها حتى انتزعت مقعدها بالأمم المتحدة، وقد ظل مغصوبا لصالح القوميين من كومينتانج تايوان.

وكُنّا بين دولٍ قليلة احتضنت مشروع القرار 2758 فى أكتوبر من العام 1971، ودعمته وسوّقته وصوّتت لصالحه؛ حتى استعادت الصين حقّها المُعلّق لأكثر من عقدين منذ الاستقلال.

لا تحتاج الصِّلة إلى شرح واستفاضة، وأمارات العلاقة الاستراتيجية جليّة للناظر من بعيد؛ حتى من قبل ترفيعها.

مئات الاتفاقات حصيلة العقود السالفة، يُضاف إليه الجديد اليوم. تجارة مُتنامية، ومشروعات مُشتركة، ومنطقة صناعية صينية، وحضور بارز لشركاتها فى المشروعات القومية.

يحل الضيف الكبير بالتزامن مع ختام المناورة الجوية «نسور الحضارة 2026»، وقد جرت على مدار الأيام الماضية، وبمشاركة واسعة بينها أحدث طرازات المقاتلات الصينية.

وذلك؛ فضلا على أنها النسخة الثانية فى غضون سنة أو أكثر قليلاً، وقد تحمل إشارات ضمنية على تعاونٍ عسكرى أوسع فى المستقبل.

للشراكة واقعها وتطلّعاتها، وللشواغل الإقليمية والدولية أيضًا. والبلدان مُتشابهان فى النظر للصراعات، والحفاظ على التعقّل، ولعب أدوار الإطفائيين لا مُشعلى الحرائق.

تدعم بكين الحقوق الفلسطينية، وتدعو للتهدئة وتجنيب المنطقة ويلات الحرب. وستكون قضية إيران على الطاولة من دون شكّ؛ وإذ تبدو من بعيدٍ أقرب لها، فعلاقاتها إيجابية ومتطورة مع الخليج.

ومصر فى المقابل أقرب للأشقاء العرب؛ لكنها تحافظ على قنوات الاتصال مع طهران، وتبذل كل جهدٍ مُمكن للوساطة وتقريب الرؤى، من دون التفريط فى الأخوّة أو النزول عن ثوابتها المبدئية.

وبالمنطق نفسه؛ اجتمع البلدان فى بريكس، ويُواصلان الحركة على الساحة الدولية، والدفاع عن حقوقهما المشروعة فى كل ميدان بأعلى صور الحكمة والاعتدال، مع الاحتفاظ بكل الخيارات.

تايوان هناك، كما «سد النهضة» بالنسبة لنا، والعلاقة المتوترة مع الأمريكيين، كأنها انعكاس لتعاملنا الرشيد مع التبجّح الإسرائيلى، ولمنطق الاتزان الاستراتيجى بشكل عام.

نستفيد من بعضنا بلا شكٍّ، ويُمكن أن تكون الاستفادة أكبر. فهم أصدقاء مُهمون على نواحٍ عِدّة، ونحن عُقدة استراتيجية ومركز ثِقَل إقليمى، ورُمّانة التوازن فى المنطقة كلها.

معهم المعرفة والوفرة والتفجّر الاقتصادى الذى لا تحدّه جغرافيا البلاد الضيقة بأهلها والجوار، ولدينا الموقع والممرات الاستراتيجية.

قيمة المكانة والمكان، وقُدرة الفعل، وفاعلية الحضور فى ملفات المنطقة الأهم عالميا فى الوقت الراهن؛ لجانب الطاقة وحركة التجارة على الأقل!

تُحقّق الصين اتّصالا تنمويًّا يندر أن يتكرّر، منذ أطلقت خطّتها الخمسية الأولى فى العام 1953، وإلى افتتاح الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة الخطط خلال العام الجارى.

فيما أنجزت مصر واحدة فحسب ابتداء من 1960، وتعطّلت الثانية بأثر النكسة فى 1967. وتجتهد فى سنواتها الأخيرة وفق «رؤية 2030»؛ لكنها تحتاج للنظر أبعد، والتخطيط برؤية أشمل ولمُدَد أطول.

ثمّة تشابهات فى نقطة الانطلاق، وحلم الوجهة، وفى الهم الشرقىّ الذى طبع أرواحنا رغمًا عنّا، بأثر التردّى بعد العظمة، وانتكاسة الإمبراطورية مع الحنين قرونا لاستعادة مجدها الغابر، وجرّاء الاستعمار والتآمر ومسخ الهُويّة وافتقاد البوصلة الوطنية زمنًا، وتكالب عِلَل الداخل مع أطماع الخارج.

لنا مُشتركات عِدّة مع بكين، فى الرؤية والفلسفة ومنطق السياسة، وفى التاريخ والعُمق الحضارى، ويُحقّق التعاون منفعة ثنائية مباشرة، ولنا بدرجة أكبر.

غير أن أهم ما يجب أن نستفيد به من معجزة الشرق، ونستعيره ونحاكيه: الابتكار والاستدامة، التفكير خارج الصندوق، مناورة التحديات ومُغالبتها، والوصفة المثالية للحركة رغم وعورة الطريق، بجسم تنّين وخِفّة عصفور.

يسير القطار على قضبانه بسرعة وكفاءة؛ غير أنه يُمكن أن يكون أكفأ وأسرع. لديهم بوفرة ما نحتاجه، ولدينا ما يُعزز أدوارهم الإقليمية والعالمية، وكلانا نضيق بنظامٍ قديم يتداعى، ونبحث عن آخر جديد أكثر عدلاً وعافية.

للحضارة أثرها الباقى، والفاعل دومًا ولو خَفُت ظاهرًا، أو ضيّعته الأبصار. لن يصير الكوكب جنّة أبدًا؛ لأنه خُلِقَ ليكون أرضًا بكل ما فيها من حُسن وقبح؛ إنما لا يمنع ذلك من السعى للأفضل.

وقد آن لآباء التاريخ ومُلّاك الحضارات الكبرى أن يستعيدوا صدارة مشاهدهم الجُزئية والعامة؛ ليُعيدوا للعالم بعضًا من الاعتدال والجمال والعقل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة