إن مصر والصين حضارتان من أقدم الحضارات الإنسانية، وقد تركتا بصمة في التاريخ الإنساني، فعلى ضفاف النيل قامت الحضارة الفرعونية، وعلى ضفاف أنهار الصين تشكلت حضارات عريقة امتدت لآلاف السنين، وبين الأهرامات وسور الصين العظيم، كانت العلاقات المصرية الصينية قديمة قدم الأزل.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني في توقيت بالغ الحساسية، في إقليم مليء بالضوضاء، يصل ضجيج ذلك الإقليم إلى أوروبا وآسيا، فيخشى كل منهما على مصالحه فيبدأ بالتحرك في دوائر مختلفة، وهذا ما أكدت عليه زيارة الرئيس الصيني والتي تحمل دلالة سياسية إستراتيجية ووقتية؛ فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية ولا محطة في العلاقات الثنائية بل تنظر الصين إلى مصر كدولة محورية وتؤكد تلك الزيارة مكانة مصر كدولة توازن، فالصين لا تتعامل مع مصر على أنها طرفٌ تابعٌ لمحور بل دولة تستطيع التواصل مع أطراف وقوى دولية مختلفة، كما تحمل تلك الزيارة رسالة ثقة في الاقتصاد المصري وترسخ الصين موطئ قدم اقتصادي طويل المدى في المنطقة.
فالعلاقات بين البلدين انتقلت من مرحلة التعاون والتفاهم إلى النضوج والتكامل حيث تشهد طفرة على المستوى الاقتصادي والعسكري والسياسي والثقافي. فعلى الصعيد الاقتصادي، لا تهتم الصين بقناة السويس كونها ممرًا مائيًا هامًا ولكن تنتوي الانتقال من الاستثمار في المنطقة الاقتصادية إلى توطين الصناعة والشراكة الإنتاجية، فالتصنيع على أرض مصر يوفر كلفة النقل إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية، ففي يونيو 2026 جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاقية مبادلة العملات المحلية لمدة 3 سنوات وارتفعت قيمتها من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان وهي آلية تسمح للجانبين بتبادل الجنيه المصري واليوان الصيني بحيث يمكن استخدام العملات المحلية في تسوية جزء من التجارة والاستثمارات بين البلدين بدلًا من الاعتماد الكلي على الدولار.
أمّا على الصعيد العسكري، ففي أغسطس 2026 أجرت القوات الجوية المصرية والصينية مناورات مشتركة "نسور الحضارة 2026" وهو تطور مهم بين البلدين في مستوى التعاون الدفاعي.
ولا يمكن ألا نتحدث عن مبادرة الحزام والطريق وهي حلم الصين في إحياء طريق الحرير القديم بأدوات العصر الحديث وهنا لا يمكن اعتبار مصر لاعبًا ثانويًا فيه بل لاعبًا أساسيًا وجزءًا مهمًا جدًا من خلال قناة السويس، ولولا البنية التحتية المُحَدَّثة والمُطورة وموقع مصر الجغرافي لما أصبحت مصر ذات أهمية قصوى في مبادرة الحزام والطريق فهي نقطة ارتكاز جغرافية ولوجستية للمبادرة مما سيُترجم ذلك إلى قيمة اقتصادية واستثمارية مُضافة.
وبعين مصرية، مصر لا تستبدل شريكًا بشريك آخر ولكن العلاقة مع الصين تأتي ضمن رؤية أوسع لتنويع الشراكات الدولية مما يعزز قدرتها على حماية الحركة والاستقلالية وحماية مصالحها الوطنية. فبينما يعج الإقليم بالمسيرات والصواريخ، يجلس الطرفان مصر والصين في حالة من العمل (جونغ زوو) والسلام (حِتب) على طاولة مثمرة ومليئة بالخيرات المستقبلية.