لم يحالف الشعر في العصر الحديث ما حالف الرواية من حسن القبول لدى الجماهير، فأصبح جمهوره محصورًا في شريحة من المثقفين الذين يهتمون به ويحتفون بدواوينه وشعرائه. ولعلنا اليوم أحوج إلى قراءة الشعر مما نظن؛ فالبيت أو القصيدة لا يحتاجان إلى الوقت الذي تحتاجه الرواية، وإن كان فهمهما قد يتطلب إعادة القراءة والتأمل. وقد يخرج القارئ من بيت واحد بمحصول من الفكر والتأمل يضاهي ما تمنحه صفحات طويلة من السرد.
ولا تغني قراءة الرواية عن الشعر، كما أن الشعر لا يمنح القارئ المتعة نفسها التي يجدها في متابعة أحداث رواية تشد انتباهه وتستولي على خياله. فلكل منهما لذته الخاصة، ولكل منهما طريقته في إثراء المعرفة وتوسيع آفاق النفس. والتنوع في القراءة يزيد وعي الإنسان، ويفتح أمامه مغاليق الفهم، ولا ينبغي لنا أن نحصر أنفسنا في لون واحد من ألوان الأدب، فالأدب بحر زاخر بفنون متعددة، ينهل منها الإنسان ما يزكي نفسه ويغذي عقله.
وينبغي أن يمتلك الإنسان ثقافة عامة يطالع فيها شيئًا من العلوم والآداب والفنون. فالأديب يحتاج إلى أن يتصفح كتب العلم، كما يحتاج العالم إلى أن يقرأ الأدب. ومن المؤسف أن تجد طبيبًا بارعًا لم يقرأ لكبار الأدباء، مع أن الأدب يعمق فهم الإنسان للحياة والنفس البشرية، أو تجد أديبًا لا يلتفت إلى منجزات العلوم التجريبية، ولا يعرف شيئًا عن أحدث النظريات والاكتشافات.
وليس في ذلك خلط بين التخصصات، بل هو تكامل بينها؛ فالإنسان يفقد جانبًا مهمًا من تكوينه إذا اقتصر على حدود تخصصه ووظيفته واكتفى بهما. والأمر في النهاية حسنُ تقسيمٍ للوقت؛ فمن يمنح ساعات لتخصصه يستطيع أن يمنح ساعة لغير تخصصه، فيجد في ذلك تجديدًا لنشاطه واتساعًا في معارفه.
وفي عصرنا أصبحت المعرفة أيسر من أي وقت مضى، فساعة واحدة قد تغني عن ساعات طويلة، ووسائل التكنولوجيا الحديثة يسرت الوصول إلى الكتب والمحاضرات والدورات العلمية، وجعلت التحصيل أوفر وأسرع.
ومع ذلك، ما زلنا نرى الطبيب الجاهل بالأدب، والمهندس الأمي ثقافيًا، والقاص الذي يضرب حول عقله أسوارًا فلا يطرق إلا بابًا واحدًا من المعرفة، والشاعر الذي يتلعثم إذا سئل عن رأيه في السياسة أو في شأن من شؤون المجتمع. ذلك أن الإنسان لا يكتمل شعوره بالحياة إلا إذا عرف العالم الذي يحيط به، واتسعت رؤيته لما يجري فيه.
والمعرفة لا تقف عند حد، ولن يبلغ إنسان، مهما أفنى عمره في دراسة تخصص واحد، الإحاطة الكاملة به. تلك طبيعة العلم، وطبيعة الإنسان كذلك؛ يسعى دائمًا إلى المزيد، وتدفعه فطرته إلى النمو والازدياد.
ولكل إنسان فضول فطري نحو المعرفة، غير أن كثيرين يوجهون هذا الفضول وجهة خاطئة، فيتتبعون الغث من الأخبار والمحتويات التي لا تغني عقلًا ولا تسمو بذوق، فتتدهور بها العقول وتهبط النفوس، ويعود أصحابها خاليي الوفاض من علم نافع أو معرفة باقية.
ولهذا تبقى الكلمة ضرورة، سواء جاءت في ثوب الأدب الذي يفتح للخيال آفاقًا واسعة، أو في ثوب العلم الذي يسعى إلى تفسير الظواهر، ووضع النظريات، وصياغة القوانين. فالعلم يضيء العقل، والأدب يوقظ الوجدان، ولا تكتمل إنسانية المرء إلا إذا جمع بين نور العقل ودفء الشعور.
ولعل أعظم النماذج على هذا التكامل أنطون تشيخوف ويوسف إدريس، فقد جمعا بين الطب والأدب، فانعكس علمهما على إنسانيتهما، وانعكست إنسانيتهما على أدبهما. وكذلك العقاد الذي لم تمنعه سعة اطلاعه من أن يجمع بين الأدب والفكر والتاريخ والفلسفة، فكانت الثقافة الواسعة سرًا من أسرار خلود أعمالهم.