البدوى محمد

الفن المصري.. بين شادي العمائر وشادي الكلمات

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 12:00 ص


تقف مصر أمام العالم بسؤال حير التاريخ وأدهش علماءه وأذهل السائرين والباحثين: كيف شُيِّد هذا البناء؟ وما سر التحنيط؟ وما سر الحضارة التي نبتت في هذه البقعة المباركة من العالم؟، وترجمة هذا السؤال للعامية المصرية تكون: يا مصر... بتعمليها إزاي؟، قالها كل من وقف أمام الأهرامات والمعابد، والنقوش والزخارف، وروعة قناع توت عنخ آمون.

هناك كان شادي العمائر؛ الفنان المصري الذي كتب الحكاية بالحجر، وبإعجاز هندسي لم تُكتشف شفرته كاملة حتى اليوم، ترك لنا الإحساس بالفن والجمال والإبداع الإعجازي، وأورثنا الجين المصري الذي اتخذ من الفن طريقا لفهم الحياة والخلود، وترك لنا ذائقة جمالية كاملة، ومن هذه الروح خرج شادي الكلمات؛ فالفنان الذي ورث هذه الروح الجمالية الممتدة عبر آلاف السنين، الذي وقف منبهرا أمام حضارته العظيمة يتغنى بها ولها، يحول ما صاغه النقش على الحجر إلى مشاعر في القلب، وينقل مصر من جدران المعابد إلى ألحان خالدة، وكلمات باقية، وأصوات عابرة للزمن.

إذا كان شادي العمائر جعل العالم يقف أمام مصر ويسأل: "يا مصر... بتعمليها إزاي؟"؛ فإن شادي الكلمات جعل المصري نفسه يسأل: "يا مصر... بنحبك كده إزاي؟"، وهنا تبدأ حكاية الأغنية المصرية مع الوطن؛ فالفن لم يرَ مصر بصورة واحدة، بل صورها في مراحل مختلفة من تاريخها.

مع سيد درويش جاءت مصر في صورة الوطن الذي ينادي أبناءه: "قوم يا مصري، لم تكن دعوة للعيش على أمجاد الماضي، بل كانت دعوة للمقاومة والنصر، ثم تغير الزمن، وظهرت صورة أخرى، مع أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام جاءت: "مصر يا أمه يا بهية، هنا أصبحت مصر أما شعبية؛ مصر الفلاحين والعمال والبسطاء، مصر التي تسكن وجوه الناس وتعبهم وأحلامهم.
ثم جاء الليل، ومعه لحظة الانكسار. فبعد هزيمة يونيو 1967 لم يهرب الفن من الجرح، بل دخل إليه، وكتب عبد الرحمن الأبنودي، وغنى عبد الحليم حافظ "عدى النهار"، والتي عبرت عن مرار الهزيمة والحزن الساكن في الأعماق، وفي نفس الوقت تبشر بعودة نهار مصر الذي يمثل النصر والنور الأزلي في شخصية مصر التي لا تنطفئ، وجاء الحضور المبهر لشادية، والشاعر محمد حمزة، وبليغ حمدي، من خلال أغنية "يا حبيبي يا مصر"، تجسيدا لحالة الحب في أصعب الظروف، والتمسك بالأمل الذي ولد من حرب الاستنزاف، واستنكارا للثقة التي تمتع بها العدو؛" أصله ما عداش على مصر، ولم يعرف تحدي الزمن."


ومرت السنوات، وظلت الأغنية المصرية ترسم وجوه الوطن؛ حتى جاءت الأجيال الجديدة بسؤال يبدو مختلفا، لكنه في الحقيقة سؤال قديم سأله الإسكندر الأكبر، وهيرودوت، وابن خلدون، وغيرهم، وعبرت عنه أغنية "يا مصر... بتعمليها إزاي؟"، ومع فعاليات كأس العالم الأخيرة، انفجرت الأغنية في أرجاء مصر والعالم العربي، حتى أن بعض الأجانب رددوا كلماتها، وازدد بريقها مع النتائج المبهرة للمنتخب الوطني؛ فلم تعد مجرد "ترند"، بل أصبحت حالة من الهيام والعشق الصوفي بين مصر وكل محبيها؛ فكما عجز العالم عن تفسير سر الحضارة المصرية، يعجز المصريون أنفسهم عن تفسير سر تعلقهم بهذا الوطن، ولعل سر مصر ليس أنها تبهر العالم، بل أنها تجعل أبناءها، كلما حاولوا تفسير حبهم لها، يعودون إلى السؤال الذي لم يستطع التاريخ أن يجيب عنه: يا مصر... بنحبك كده إزاي؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة