قدم تليفزيون اليوم السابع تقريرا خاصا حول زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، قدمته الزميلة هناء أبو العز، وذلك في أول زيارة له إلى القاهرة منذ عشر سنوات، وفي توقيت يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة في المنطقة والعالم.
لماذا اختار الرئيس الصيني مصر تحديدًا؟ ولماذا جاءت الزيارة في هذا التوقيت؟
الحقيقة أن الأمر يتجاوز الاحتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ويحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية وتكنولوجية مهمة.
أولًا.. لماذا هذا التوقيت؟
تأتي زيارة شي جين بينج إلى القاهرة وسط مرحلة شديدة التعقيد في الشرق الأوسط، مع استمرار التوترات والصراعات الإقليمية، واضطراب حركة الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا السياق، طرحت الصين، خلال مباحثات الرئيس شي جين بينج مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، رؤيتها بشأن بناء هيكل أمني إقليمي جديد في الشرق الأوسط، يقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، مع رفض التدخلات الخارجية وتشجيع دول المنطقة على تعزيز الحوار من أجل السلام والأمن.
وهنا تظهر أهمية مصر بالنسبة إلى الصين، باعتبارها دولة محورية في المنطقة، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط بين الشرق والغرب، فضلًا عن دورها الإقليمي وتأثيرها في الملفات العربية والأفريقية.
ثانيًا.. لماذا اختارت الصين مصر؟
هناك عدة أسباب تجعل القاهرة شريكًا استراتيجيًا مهمًا لبكين.
الموقع الاستراتيجي وقناة السويس
مصر تحتل موقعًا محوريًا في مبادرة الحزام والطريق الصينية، بفضل قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وتربط حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، كما تمنح الصين بوابة مهمة إلى الأسواق العربية والأفريقية.
ولهذا فإن استقرار مصر وموقعها الجغرافي يمثلان أهمية كبيرة للمصالح التجارية واللوجستية الصينية.
ثالثًا.. سوق كبير واستثمارات تتوسع
القصة لا تتوقف عند الموقع.
فالاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، فيما وصل عدد الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية إلى نحو 3971 شركة حتى نهاية يونيو 2026. ويتركز جانب مهم من هذه الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا سيما منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» في العين السخنة.
كما تتوسع مجالات التعاون في الصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهو ما يعكس تحول العلاقة من مجرد التبادل التجاري إلى شراكة استثمارية وإنتاجية أكثر اتساعًا.
رابعًا.. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
وهنا يأتي أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة.
فالتعاون المصري الصيني يتجه بصورة متزايدة نحو التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب قطاعات صناعية جديدة، في وقت تسعى فيه مصر إلى توطين التكنولوجيا وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة.
كما شهدت الشراكة بين البلدين تعاونًا في مشروعات التكنولوجيا والاتصالات والبنية التحتية الرقمية، بما يفتح الباب أمام مزيد من التعاون خلال المرحلة المقبلة.
خامسًا.. الملف المالي.. هل يخفف اليوان الضغط على الدولار؟
نأتي إلى النقطة التي تهم الاقتصاد والشارع المصري.
فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 21.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
والأهم أن الصادرات المصرية إلى الصين قفزت بنسبة 199.8% خلال الفترة نفسها، لتصل إلى نحو 840.8 مليون دولار، بينما بلغت الواردات المصرية من الصين نحو 10.4 مليار دولار.
وفي يونيو الماضي، جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاق مبادلة العملات المحلية، مع زيادة قيمته من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان، لمدة ثلاث سنوات.
ويهدف الاتفاق إلى تسهيل التجارة والاستثمار بين البلدين، وزيادة استخدام الجنيه المصري واليوان الصيني في المعاملات الثنائية، بما يمكن أن يساعد على تقليل الاعتماد على الدولار في جانب من التجارة بين البلدين.
سادسًا.. مصر والصين.. شراكة تتجاوز الاقتصاد
لكن الأبعاد الاقتصادية ليست وحدها في المشهد.
فالبلدان يرتبطان بشراكة استراتيجية شاملة منذ عام 2014، وتتعامل القاهرة مع بكين باعتبارها إحدى القوى الدولية الكبرى التي يمكن التعاون معها في ملفات الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار، إلى جانب التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
أما بالنسبة إلى الصين، فمصر تمثل نقطة ارتكاز مهمة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بفضل موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وثقلها السياسي والإقليمي، فضلًا عن علاقاتها الممتدة مع مختلف القوى الدولية.
الخلاصة.. لماذا مصر؟
إذن، مصر بالنسبة إلى الصين ليست مجرد سوق لتصريف المنتجات.
إنها مركز لوجستي وصناعي واستثماري مهم، وبوابة إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، وشريك يمكن أن تتوسع معه مجالات التعاون في التكنولوجيا والطاقة والصناعة والبنية التحتية.
وفي المقابل، ترى مصر في الصين شريكًا مهمًا في توطين الصناعة وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تنويع شراكاتها الدولية.
ولهذا فإن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة تأتي في لحظة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية.
وبعد 70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية... هل تدخل القاهرة وبكين مرحلة جديدة من الشراكة؟