محمود عبد الراضى

الشاشة الجميلة والبيت الحزين

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 11:45 ص


تسلل هذا الضوء الأزرق الشاحب من هواتفنا الصغيرة، ليحدث شرخاً عميقاً في الجدران السميكة لبيوتنا الدافئة، لم تعد البيوت تُهدم فقط بالخلافات الحادة أو القسوة المباشرة، بل باتت تتآكل بسكتة قلبية يصنعها الصمت، وتغذيها المقارنة الظالمة عبر الشاشات.

في الماضي، كان البيت هو الملجأ والملاذ الذي نلوذ إليه لنستريح من صخب العالم وأقنعته، أما اليوم، فقد أصبح العرش الذي تهتز أركانه كلما تصفحنا حيوات الآخرين المصنوعة بعناية على منصات التواصل الاجتماعي.

نطالع تفاصيلهم المنمقة، وننسى أنها مجرد لقطات اقتطعت من سياقها؛ فنقارن واقعنا الكامل بأجزائهم المنتقاة، ونزن أيامنا العادية بلحظات استثنائية يختارون هم عرضها.

هكذا يبدأ الفخ: نظرة خاطفة تعقبها مقارنة قاسية، ثم يتسلل السخط الخفي إلى النفوس، تتبدد القناعة لتفسح المجال لزهو متصنع، أو حسرة مكتومة.

 

يرى الزوج في صفحته شريكة متخيلة لا تعرف الكدر، وترى الزوجة حياة رغيدة لا يعكر صفوها شقاء التفاصيل اليومية، وننسى أن ما يُعرض على تلك المنصات ليس سوى مسرحية إنسانية قصيرة؛ يُخرِجها الجميع ببراعة، ويخفون خلف كواليسها كل زفرة ألم، وكل لحظة انكسار.

إن عقدة المقارنة لا تكتفي بمسح البسمة من الوجوه، بل تزرع الجفاء بين القلوب؛ فالقلب الذي يقتات على تتبع الآخرين تجف في أورده دماء الرضا.

وما أغفلنا عنه هو أن السعادة ليست سباقاً نركض فيه لنثبت للغرباء أننا بخير، بل هي دفء صادق يسكن بين اثنين يعيان أن الكمال وهمٌ لا وجود له، وأن أجمل ما في البيوت المستقرة هو حقيقتها البسيطة، حتى مع طينها وشظف عيشها.

دعونا نغلق هذه النوافذ الزجاجية التي تسرق سكينة بيوتنا، ونعد إلى الواقع.

 

البيوت لا تُبنى بالصورة الكاملة التي نراها على الشاشة، بل تتأسس بالقبول، وتستمر بالامتنان، وتزهر حين نتوقف عن النظر إلى ما في أيدي الآخرين لنبصر البركة الساكنة بين أيدينا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة