تقترب أوروبا من مرحلة جديدة شديدة الحساسية في سباق الردع النووي، بعدما رفعت موسكو سقف تحذيراتها من أي توسع في العقيدة النووية لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مؤكدة أن مثل هذه الخطوة ستدفع روسيا إلى الرد بوسائل عسكرية وتقنية. تحذير يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا خطورة في الأمن الأوروبي، ويثير مخاوف من عودة سباق التسلح النووي إلى القارة بعد عقود من محاولات الحد من انتشاره.
مخاوف روسية من توسيع التعاون النووى داخل الناتو
وجاء التحذير الروسي على لسان أندريه بيلوسوف، المسؤول العام في وزارة الخارجية الروسية، الذي قال إن توسيع التعاون النووي داخل الناتو سيُنظر إليه في موسكو باعتباره تطورًا يستوجب ردًا عسكريًا وتقنيًا. وتأتي تصريحاته في وقت تتزايد فيه المناقشات داخل الحلف بشأن مستقبل الردع النووي الأوروبي، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر بين روسيا والدول الغربية.
وترى موسكو أن الأسلحة النووية الأمريكية المنتشرة في أوروبا ضمن برنامج «المشاركة النووية» للناتو، إلى جانب الترسانتين النوويتين الفرنسية والبريطانية، تشكل منظومة عسكرية متكاملة يمكن أن تهدد أهدافًا روسية. وتعتبر روسيا أن تنامي التدريبات والقدرات المشتركة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين يزيد من المخاطر الاستراتيجية المحيطة بها.
موسكو ترفع شعار الرد سيكون عسكريًا وتقنيًا
وتستند موسكو في موقفها إلى مخاوف من أن يؤدي انتشار المزيد من الأسلحة أو المنصات القادرة على حمل رؤوس نووية إلى تقليص الوقت المتاح لاتخاذ القرار في حال اندلاع أزمة، الأمر الذي قد يزيد مخاطر سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
وتولي روسيا أهمية خاصة لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تطوير أنظمة صاروخية ودفاعية متقدمة، معتبرة أن الجمع بين أنظمة الدفاع الصاروخي والأسلحة الهجومية بعيدة المدى يمكن أن يؤثر في قدرة موسكو على ضمان الردع الاستراتيجي.
كما تنظر موسكو إلى الطائرات متعددة المهام، وعلى رأسها «إف-35»، باعتبارها جزءًا من التحول في القدرات العسكرية الأوروبية، خصوصًا مع إمكانية استخدامها ضمن ترتيبات الردع النووي للحلف.
وبذلك، لا تتعامل روسيا مع التطورات الحالية باعتبارها مجرد تحديث عسكري روتيني، بل باعتبارها إعادة تشكيل تدريجية للخريطة النووية في أوروبا.
شبح الحرب الباردة يعود
ويعيد المشهد الحالي إلى الذاكرة الأوروبية أجواء الحرب الباردة، عندما تحولت القارة إلى خط تماس رئيسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، أدى نشر الصواريخ النووية متوسطة المدى في أوروبا إلى احتجاجات شعبية وسياسية واسعة، وأصبحت دول أوروبية عدة ساحات رئيسية لصراع الردع بين القوتين العظميين.
واليوم، تتغير الأدوات والظروف، لكن المخاوف الأساسية تعود من جديد: صواريخ بعيدة المدى، أنظمة دفاع متطورة، طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية، تدريبات عسكرية واسعة، وخطاب سياسي أكثر حدة بين موسكو والعواصم الغربية.
والفارق الأخطر أن منظومة الحد من التسلح التي نشأت خلال العقود الماضية أصبحت أكثر هشاشة، بينما تتراجع الثقة المتبادلة بين روسيا والولايات المتحدة إلى مستويات شديدة الانخفاض.
فرنسا وبريطانيا في قلب المعادلة
وسط هذا التصعيد، تبرز فرنسا وبريطانيا باعتبارهما القوتين النوويتين الأوروبيتين الأساسيتين.
ففرنسا تتمسك بقوتها النووية باعتبارها أحد أعمدة استقلالها الاستراتيجي، بينما تعتبر بريطانيا ترسانتها جزءًا أساسيًا من أمنها الوطني ومن منظومة الردع الغربية.
وتطرح هذه المعادلة سؤالًا كبيرًا داخل أوروبا: هل يمكن للقارة أن تعتمد بصورة أكبر على قدراتها النووية الخاصة، أم أن المظلة النووية الأمريكية ستظل الضمان الرئيسي لأمنها؟
ويرى الخبراء أن النقاش لم يعد محصورًا في الأسلحة النووية نفسها، وإنما بات مرتبطًا بمستقبل التحالف عبر الأطلسي وبمدى اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة.
واشنطن أمام اختبار صعب
بالنسبة إلى واشنطن، يمثل الانتشار النووي الأمريكي في أوروبا عنصرًا مهمًا في استراتيجية الردع وطمأنة الحلفاء، لكنه في الوقت نفسه أحد أبرز مصادر التوتر مع موسكو.
فأي توسع في ترتيبات المشاركة النووية قد يُفسر روسيًا على أنه انتقال من سياسة الردع التقليدية إلى سياسة أكثر هجومية، بينما قد ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن تعزيز القدرات النووية ضروري لمنع روسيا من اختبار حدود الحلف.
وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على الردع دون إشعال سباق تسلح جديد، وطمأنة الحلفاء دون إعطاء موسكو ذريعة لتوسيع انتشارها الصاروخي والنووي.
إسبانيا تراقب من موقع حساس
ورغم أن إسبانيا ليست عضوًا في برنامج المشاركة النووية للناتو، فإنها ليست بعيدة عن تداعيات الأزمة.
فوجود قواعد وبنية عسكرية استراتيجية للحلف على الأراضي الإسبانية، وفي مقدمتها روتا ومورون، يجعل مدريد جزءًا مهمًا من المنظومة الأمنية الأطلسية.
وأي تصعيد عسكري واسع بين روسيا والناتو سيضع إسبانيا أمام حسابات أمنية وسياسية معقدة، خصوصًا أن مدريد لديها أولويات أخرى على الجبهة الجنوبية للحلف، تشمل البحر المتوسط ومنطقة الساحل والهجرة والأمن في شمال أفريقيا.
لذلك فإن تحول أوروبا إلى ساحة رئيسية لتنافس نووي جديد سيؤثر بصورة مباشرة في حسابات الأمن والدفاع الإسبانية، حتى من دون مشاركة مدريد في ترتيبات الأسلحة النووية.
موسكو تلوّح.. والغرب يستعد
لا يتوقف القلق الروسي عند الأسلحة الموجودة بالفعل في أوروبا، بل يمتد إلى مستقبل الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وإلى أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، وإلى احتمال ظهور منظومات جديدة قادرة على تغيير قواعد الاشتباك.
وترى موسكو أن أي انهيار كامل للقيود المفروضة على هذه الأسلحة قد يؤدي إلى سباق جديد، بينما يحذر خبراء غربيون من أن روسيا نفسها تعمل على تطوير قدراتها الصاروخية والنووية وتعزيز منظومات الردع لديها.
وهنا تظهر المفارقة، حيث كل طرف يقول إنه يتحرك دفاعًا عن أمنه، لكن خطواته تزيد مخاوف الطرف الآخر، فينشأ ما يشبه الحلقة المفرغة للردع والتسلح.
هل تبدأ أوروبا سباقًا نوويًا جديدًا؟
ويتمثل السيناريو الأخطر في تحول التحذيرات المتبادلة إلى قرارات فعلية: نشر صواريخ جديدة، زيادة التدريبات النووية، توسيع البنية العسكرية، وتطوير أنظمة قادرة على حمل أسلحة استراتيجية.
وفي هذه الحالة، قد تجد أوروبا نفسها أمام سباق تسلح جديد لا يشبه تمامًا سباق الحرب الباردة، لكنه قد يكون أكثر تعقيدًا بسبب تعدد الأطراف وتداخل القدرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية والروسية.
أما السيناريو الأقل خطورة فيتمثل في استغلال التوتر الحالي لإعادة إطلاق مفاوضات الحد من التسلح، خصوصًا بين واشنطن وموسكو، ووضع قواعد جديدة للصواريخ والانتشار النووي. لكن حتى الآن، لا تبدو لغة التهديد والتصعيد متراجعة.
ويكشف تحذير موسكو من «رد عسكري وتقني» إذا توسع الناتو نوويًا أن الأمن الأوروبي يدخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي العودة القوية لمنطق الردع النووي، وبينما تعزز دول الناتو قدراتها العسكرية وتبحث أوروبا عن مزيد من الاستقلال الدفاعي، تراقب روسيا هذه التحركات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها.