إذا كان ارتفاع أسعار العقارات وتأخر بعض الشركات في تنفيذ مشروعاتها ضمن أبرز تحديات السوق المصرية، فإن البحث عن حلول لهما يقودنا بالضرورة إلى ملف يبدو حاضرا في السوق، لكنه في الحقيقة لا يزال بعيدا عن القيام بالدور الذي يفترض أن يؤديه: التمويل العقاري.
المفارقة أن السوق العقارية المصرية أصبحت تعتمد على التقسيط طويل الأجل بصورة غير مسبوقة، لكن هذا لا يعني أنها أصبحت سوقا ممولة عقاريا بالمعنى الحقيقي. فالمطور هو الذي يمنح العميل سنوات طويلة للسداد، وقد تصل إلى 10 أو 12 عاما، ليتحول تدريجيا من مطور إلى ممول، ويتحمل في الوقت نفسه تكلفة الأموال ومخاطر التضخم والتحصيل وتغير تكاليف التنفيذ.
وهنا تكمن إحدى مشكلات النموذج الحالي؛ فكل جنيه يبقى مستحقا لدى العميل لسنوات هو سيولة لا يستطيع المطور إعادة ضخها بالكامل في مشروع جديد أو في استكمال مشروع قائم. ومع ارتفاع تكاليف البناء، يصبح الضغط أكبر، وتتحول فترة السداد الطويلة من أداة لتنشيط المبيعات إلى عبء تمويلي ينعكس في النهاية على سعر الوحدة.
ولهذا، فإن الحل ليس بالضرورة في مزيد من سنوات التقسيط، وإنما في إعادة توزيع وظيفة التمويل؛ المطور يطور وينفذ، والبنك أو شركة التمويل العقاري يمول العميل، ويحصل المطور على مستحقاته بصورة أسرع ومنضبطة، عندها يمكن أن تتحول العلاقة من مجرد بيع بالتقسيط إلى منظومة تمويل متكاملة.
لكن العقبة الأساسية في ارتفاع أسعار الفائدة البنكية، والأهم نموذج التمويل العقاري نفسه، ما يجعلان التوسع في التمويل أكثر صعوبة، كما أن غالبية المنتجات التمويلية المتاحة لا تتناسب بصورة كاملة مع طبيعة السوق المصرية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على بيع الوحدات تحت الإنشاء.
ومن الصعب أن يصبح التمويل العقاري أداة واسعة الانتشار إذا ظل مرتبطا في الأساس بوحدة مكتملة البناء والتشطيب والمرافق ومستوفية للاشتراطات القانونية اللازمة للتمويل.
لذلك، فإن إعادة تفعيل تمويل الوحدات تحت الإنشاء تستحق أن تكون في مقدمة أجندة إصلاح السوق، لكن من خلال نموذج أكثر انضباطا يراعي طبيعة السوق المصرية ويحمي جميع الأطراف.
ولكي تتحقق هذه الخطوة دون تحميل الجهاز المصرفي مخاطر إضافية، يظهر نظام الحساب الضامن (Escrow Account) كركيزة أساسية لإعادة الثقة والانضباط إلى السوق.
ويعني تطبيق هذا النظام عدم تسليم أموال التمويل للمطور دفعة واحدة، وإنما إيداعها في حساب بنكي مخصص ومستقل لكل مشروع، ولا يتم الصرف منه إلا بنسب محددة ترتبط بجدول ومعدلات الإنجاز الفعلي على أرض الواقع، وفق آلية رقابية وتقارير هندسية مستقلة.
بهذه الآلية، يمكن حماية أموال المشتري والممول من جهة، وربط حصول المطور على التدفقات المالية بمعدلات التنفيذ من جهة أخرى، بما يقلل مخاطر تشابك التدفقات النقدية بين المشروعات ويعزز الانضباط في عملية التنفيذ.
وبالتوازي مع ذلك، يتطلب الأمر قدرا أكبر من المرونة من المؤسسات المالية في هيكلة الأقساط لتتناسب مع الدخول الحقيقية للعملاء، سواء من خلال القسط المتدرج أو تطوير أدوات التقييم الائتماني والاستفادة من البيانات والسلوك المالي الرقمي، بما يوسع قاعدة المستفيدين دون الإخلال بقواعد منح الائتمان.
وبالطبع لا يمكن تجاهل المخاطر، فتوسيع الائتمان العقاري دون ضوابط قد ينقل المشكلة من سوق العقارات إلى الجهاز المالي، كما أظهرت تجارب دولية مختلفة. لذلك، فإن المطلوب ليس فتح التمويل بلا حدود، وإنما بناء منظومة دقيقة لتقييم المطور والمشروع والعميل، وربط التمويل بالتنفيذ الفعلي.
إذا نجح ذلك، فقد نكون أمام معادلة مختلفة للسوق: العميل يحصل على تمويل طويل الأجل يتناسب مع قدرته على السداد، والمطور يستعيد سيولته بوتيرة أسرع، والممول يمتلك ضمانات أوضح، بينما يصبح التنفيذ معيارا أساسيا للحصول على التدفقات المالية.
إن التحديات الراهنة في السوق العقارية المصرية لا تتعلق فقط بحجم الطلب، وإنما أيضا بآليات تمويل هذا الطلب وإدارة السيولة داخل القطاع. ومن ثم، فإن تبني نموذج أكثر تطورا لتمويل الوحدات تحت الإنشاء، مدعوما بحسابات ضمان وربط واضح بين التمويل ونسب الإنجاز، يمكن أن يمثل أحد المفاتيح لإعادة التوازن إلى السوق، وتخفيف الضغوط التمويلية عن المطورين، وتحسين قدرة العملاء على تملك الوحدات، بما يدعم استدامة القطاع ودوره في الاقتصاد.