في حفل استثنائي، أطل علينا قيصر الغناء العربي كاظم الساهر في ليلة ساحرة بعاصمة الفن، القاهرة، المدينة التي لطالما احتضنت موهبة وقدمتها للجمهور العربي، وكتبت لكثير من أصحابها الخلود.
أتذكر أول حفل للقيصر في مصر عام 1995، حين قدمه الفنان والإعلامي الراحل سمير صبري، ضمن حفلات «ليالي التليفزيون»، التي كانت واحدة من أبرز ما قدمه التليفزيون المصري، وكان القائمون على صناعة الفن وقتها يضعون الارتقاء بالذوق العام جزءا أصيلا من رسالتهم.
ولا أدري ماذا فعل، ذلك الذي ما إن وطئت قدماه مسارح مصر وحفلاتها، بقيادة المايسترو رضا رجب وخالد فؤاد وقتها، حتى انطلق صوته من القاهرة إلى العالم. وبعدها، انطلق ليغني على كبرى المسارح العالمية، ومنها قاعة «رويال ألبرت هول» في لندن، التي غنى عليها لأول مرة عام 1997.
كنت وقتها صبيا لا أكاد أستوعب اللغة العربية الفصحى إلا من كتب المدرسة والدراسة، ولم أكن أتخيل أن يأتي يوم أستمع فيه إلى قصائد باللغة العربية الفصحى، فأحفظ كلماتها وأرددها وأنا أسير وحيدا، أو أجلس للرسم.
تلك الحالة التي أضافها كاظم الساهر إلى وجداننا، من روائع أشعار نزار قباني، كانت شيئا مختلفا؛ كلمات ساحرة، ومعان قوية، وموسيقى آسرة، وصوت يتسع بحجم الفضاء، وكأن أغانيه تأتينا من فوق القمر، حاملة صدى الحب والرومانسية.
ذلك الفنان الذي غنى للمرأة أجمل الصور الشعرية، وكأنه آخر العاشقين على هذه الأرض، بعذوبة صوته وقوته، وطبقات صوته التي تلامس السحاب وتداعب النجوم. فنان يعد مؤسسة فنية متكاملة، ليس فقط بالغناء، بل أيضا بكتابة كلمات أشهر أغانيه وتلحينها، وهي مواهب نظارت صوته، فأصبح فنانا متكاملا.
ما زلت أتذكر «لمة العيلة» وانتظار حفلات «ليالي التليفزيون»، حتى صار كاظم الساهر في مصر يضرب به المثل في الحب والرومانسية، وأصبح اسمه حاضرا في الأعمال السينمائية والدرامية بوصفه تعبيرا عن الحب والرومانسية.
وأصبح حب الجمهور له حالة استثنائية؛ من إلقاء «الدباديب» والورود في حفلاته، ذلك المشهد الذي تحول مع الوقت إلى علامة مميزة في حفلات القيصر.
استطاع كاظم الساهر أن يبني جسورا من الحب مع جمهوره، ليس فقط بموهبته الفنية، وإنما أيضا باحترامه لفنه وجمهوره، ورقي إحساسه.
فهو، على المستوى الإنساني، يحمل طابعا خاصا؛ فالفن بالنسبة إليه ليس مجرد صوت وألحان، وإنما سلوك وشخصية وثقافة، وربما لهذا السبب ظل كاظم ، بعد كل هذه السنوات، قادرا على أن يترك الأثر نفسه في قلوب أجيال مختلفة.
لم أكتب لأعدد أغانيه، وإنما كتبت ما عاصرته من حالة وجدانية، وشاهدا على أثر ذلك المبدع. وما زلت أستمتع بروائعه الخالدة «أنا وليلى»، و«مدرسة الحب»، و«زيديني عشقا»، وصولا إلى ألبومه «بلا عنوان»، الذي أصدره مؤخرا، وما زلت أنتظر كل جديد من ذلك العملاق الفني، القيصر كاظم الساهر.