في فيلمه القصير "صف تاني"، الحاصل مؤخرا على جائزة أفضل فيلم مصري ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة، يختار الفنان عمرو عابد أن يضع شخصياته في مساحة تبدو للوهلة الأولى عادية ومألوفة: سيارة وسط زحام القاهرة، زوجان يستعدان لبيعها قبل السفر خارج البلاد، قرار مصيري يبدو محسومًا من الخارج، لكنه سرعان ما يكشف عن ارتباك داخلي أكثر تعقيدًا. إلا أن قيمة الفيلم لا تأتي من الفكرة وحدها، إنما من الطريقة التي يحول بها عابد هذا الموقف البسيط إلى حالة إنسانية مفتوحة على أسئلة أكبر عن الرحيل والانتماء والخوف من المجهول، عن تلك المنطقة الرمادية التي يقف فيها الإنسان بين حياة يعرف تفاصيلها، مهما كانت قسوتها، وحياة جديدة لا يعرف إن كانت خلاصًا أم بداية لوحدة أخرى. في نحو إحدى عشرة دقيقة فقط، ينجح الفيلم في بناء توتر يتصاعد تدريجيًا من دون أن يبدو مفتعلًا، مستفيدًا من القاهرة لا باعتبارها خلفية للأحداث فحسب، لكن باعتبارها طرفًا أساسيًا في التجربة؛ فالزحام، الأصوات، السيارات، حركة الشارع، كلها تتحول إلى امتداد للحالة النفسية للشخصية الرئيسية، كأن المدينة نفسها تشارك في صناعة التردد الذي يعيشه الرجل.
أكثر ما يلفت في التجربة هو إصرار المخرج على التعامل مع الزمن السينمائي بوصفه مساحة حقيقية للمعايشة، وليس مجرد وعاء للأحداث. فالفيلم يتضمن أكثر من ست دقائق مصورة في لقطة واحدة (One Shot)، وهي مغامرة إخراجية ليست سهلة، خصوصًا في فيلم قصير يحتاج عادة إلى اقتصاد شديد في الزمن والمعلومة. اللقطة الطويلة هنا لا تبدو مجرد استعراض تقني أو رغبة في إثبات قدرة المخرج على إدارة الكاميرا والممثلين، لكنها تحمل وظيفة درامية واضحة؛ فهي تمنح اللحظة امتدادها الطبيعي، وتمنع القطع من التدخل لإنقاذ الشخصيات أو تخفيف حدة الموقف، وتجعل المتفرج عالقًا داخل السيارة، يراقب التغيرات الدقيقة في الوجوه والنبرات والصمت والحركة. هذه جرأة تحسب لعمرو عابد، لأن اللقطة الواحدة تضع المخرج والممثل معًا أمام اختبار مكشوف: لا مجال للقطع لإخفاء تعثر، ولا لإعادة ترتيب الإيقاع بعد التصوير، ولا للانتقال السريع إلى رد فعل أكثر تأثيرًا. كل شيء يحدث أمام عين المتفرج في الزمن ذاته تقريبًا الذي تعيشه الشخصيات.
من هنا يصبح أداء الممثلين أحد أهم مفاتيح الفيلم، لأن البناء الذي اختاره عابد يضع الأداء في الواجهة ويقلل المسافة بين الممثل والمتفرج. الممثلون جميعهم يضيفون إلى النسيج العام للفيلم من دون أن تتحول الشخصيات إلى مجرد أدوات لتحريك الحدث. دعاء حمزة مثلا تقدم حضورًا منضبطًا ولافتا يخدم طبيعة العلاقة بين الزوجين، بينما عماد إسماعيل نراه هنا في أداء أكثر نضجًا واختلافًا عن الصورة التي يمكن أن تكون مستقرة في أذهان المتفرج عنه كممثل. تنجح دعاء حمزة في أن تمنح الشخصية حضورًا هادئًا لكنه مؤثر، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض، بما يجعلها طرفًا حقيقيًا في الأزمة وليس مجرد مساحة مقابلة لتردد الزوج. كما أن أداءها يستفيد من طبيعة الفيلم القائمة على التفاصيل واللحظات الصغيرة، فتبدو انفعالاتها محسوبة ومتدرجة بما ينسجم مع الإيقاع الذي اختاره عابد. عماد إسماعيل لا يعتمد على الانفعال المباشر أو التعبير الواضح عن الأزمة، إنما يبني الشخصية من الداخل، عبر تفاصيل صغيرة في النظرات، طريقة الكلام، التردد، الصمت، الاستجابة للمواقف. هناك إحساس بأن الشخصية تفكر أكثر مما تتكلم، وأن القرار الذي تبدو أمامه لا يتشكل في لحظة واحدة، لكنه يتصارع داخلها تدريجيًا. هذا النوع من الأداء يحتاج إلى ممثل يثق في التفاصيل ولا يخشى المساحات الهادئة، وهو ما يمنح حضور عماد إسماعيل ثقلًا خاصًا داخل الفيلم.
اللافت أيضًا أن "صف تاني" لا يقدم فكرة السفر باعتبارها شعارًا اجتماعيًا جاهزًا، ولا يحول مسألة الهجرة أو مغادرة البلد إلى إجابة أخلاقية بسيطة. الرجل لا يواجه اختيارًا بين خير وشر، إنما بين احتمالين لكل منهما ثمنه؛ الرحيل يعني اصطحاب العائلة وبدء حياة جديدة، لكنه يعني أيضًا ترك شيء خلفه، بينما البقاء لا يبدو بالضرورة اختيارًا بطوليًا، بل احتمالًا للوحدة والعزلة. في هذه المنطقة تحديدًا تكمن قوة الفيلم، لأنه لا يفرض على المشاهد تفسيرًا واحدًا، إنما يترك له مساحة لقراءة التردد بوصفه موقفًا إنسانيًا يتجاوز فكرة السفر نفسها. عنوان "صف تاني" يحمل بدوره قابلية للتأويل، إذ يمكن النظر إليه باعتباره تعبيرًا عن موقع الإنسان الذي لا يشعر بأنه في المقدمة أو في المكان الذي اختاره لنفسه، كأن الشخصيات جميعًا تقف في انتظار دورها أو قرارها أو حياتها القادمة.
يحسب للفيلم كذلك أنه لا يحاول تحميل الدقائق الإحدى عشرة أكثر مما تحتمل. فاقتصاده في الزمن لا يعني اختزال الشخصيات إلى خطوط سريعة، بل يعني أن عمرو عابد يختار لحظة واحدة كثيفة ويضع فيها ما يكفي من الإشارات لقراءة ما وراءها. هذه الثقة في اللحظة هي التي تجعل الفيلم أقرب إلى مشهد إنساني مكثف منه إلى حكاية تقليدية ذات بداية ووسط ونهاية واضحة. لذلك فإن اللقطة الطويلة تصبح جزءًا من فلسفة الفيلم، لا مجرد تقنية تصويرية؛ الزمن الذي يمر أمامنا هو ذاته الزمن الذي يمر داخل الشخصية، وكل ثانية إضافية تمنح المتفرج فرصة أكبر لالتقاط ما لا تقوله الشخصيات صراحة.
يأتي حصول "صف تاني" على جائزة أفضل فيلم مصري ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة ليضع التجربة في سياقها الطبيعي داخل حركة الفيلم القصير المصري، خصوصًا أن الفيلم يعتمد على فكرة محددة وأدوات إنتاجية وإخراجية مركزة، لكنه لا يتنازل عن الطموح الفني. الجائزة في حد ذاتها ليست دليلًا على جودة العمل بمعزل عن القراءة النقدية، لكنها تكشف عن وصول الفيلم إلى تقدير مؤسسي داخل مهرجان متخصص، وتؤكد أن التجربة استطاعت أن تترك أثرًا في سياق تنافسي يضم أفلامًا قصيرة متعددة الرؤى والأساليب. كان الفيلم قد حصل كذلك على جائزة لجنة التحكيم في الدورة العاشرة من مهرجان منصات، كما حصد جائزة ورش دهشور ضمن فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان زاوية للأفلام القصيرة. أما على مستوى المشاركات، فقد كان العرض العالمي الأول للفيلم ضمن فعاليات الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما شارك في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية ضمن برنامج "سينما الرحلة"، ويشارك في مهرجان Paris Lift-Off Film Festival ضمن المسابقة الرسمية.
تبدو قيمة "صف تاني" في أنه فيلم يعرف ما يريد أن يقوله، والأهم أنه يعرف كيف يقوله من خلال السينما لا من خلال الحوار وحده. عمرو عابد، في تجربته تأليفًا وإخراجًا، يراهن على لحظة إنسانية صغيرة ليطرح سؤالًا أكبر من حجمها الظاهري، ويغامر بلقطة طويلة تجعل الأداء والزمن والمكان في مواجهة مباشرة مع المتفرج. وبين زحام القاهرة وتردد رجل يقف على عتبة الرحيل، يقدم الفيلم حالة عن الاختيار أكثر مما يقدم حكاية عن السفر، عن الإنسان حين يجد نفسه أمام طريقين، فلا يكون السؤال أيهما أسهل، إنما أيهما يستطيع أن يعيش معه بعد أن ينتهي الطريق.