رغم التراجع الكبير في أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا خلال عام 2026، لا تزال طرق الهجرة البحرية تحصد مزيدًا من الأرواح، في مفارقة تكشف استمرار خطورة الرحلات غير النظامية عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. وأظهرت أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن إجمالي عدد الوافدين إلى أوروبا بلغ 70 ألفًا و205 أشخاص حتى 15 سبتمبر 2026، بينهم 59 ألفًا و495 وصلوا عن طريق البحر، بينما سجلت المنظمة 2298 حالة وفاة أو فقدان بين المهاجرين.
وتشير أرقام المنظمة إلى انخفاض واضح في تدفقات الهجرة مقارنة بالعام الماضي، إذ بلغ عدد الوافدين إلى أوروبا خلال الفترة نفسها من عام 2025 نحو 158 ألفًا و3 أشخاص، مقابل 70 ألفًا و205 حتى منتصف سبتمبر من العام الجاري. ويعني ذلك أن إجمالي الوافدين المسجلين في 2026 حتى الآن يقل بأكثر من النصف عن حصيلة العام الماضي كاملة، التي سجلت 158 ألفًا و3 وافدين.
لكن انخفاض عدد العابرين لم يصاحبه تراجع مماثل في أعداد الضحايا. فقد سجلت المنظمة 2298 حالة وفاة أو فقدان في 2026 حتى 15 سبتمبر، مقارنة بـ3401 حالة خلال عام 2025 بأكمله. وتوضح المنظمة أن أرقام الوفيات والفقدان لا تعني بالضرورة أن جميع الحالات وقعت في الفترة نفسها، إذ تستمر عمليات التحقق وتحديث البيانات مع ورود معلومات جديدة.
وسط المتوسط.. الطريق الأكثر فتكًا
ويتصدر طريق وسط البحر المتوسط قائمة المسارات من حيث عدد الوفيات والفقدان خلال العام الجاري، بعدما سجل 996 حالة حتى أحدث تحديث للبيانات. ويشمل هذا المسار الرحلات البحرية المتجهة أساسًا نحو إيطاليا ومالطا، وهي من أكثر طرق الهجرة خطورة بسبب المسافات الطويلة وظروف البحر والقوارب المستخدمة في الرحلات.
أما طريق غرب المتوسط فسجل 440 وفاة أو فقدان، بينما شهد مسار غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي 434 حالة، في حين بلغ عدد الضحايا المسجلين على طريق شرق المتوسط 387 حالة.
وتكتسب أرقام الطريق الأطلسي أهمية خاصة بسبب استمرار الرحلات باتجاه جزر الكناري الإسبانية، حيث تعتمد المنظمة الدولية للهجرة على بيانات منفصلة لرصد الحركة على هذا المسار الذي يربط سواحل غرب إفريقيا بالأرخبيل الإسباني. وتعد الرحلات الأطلسية من أكثر الرحلات البحرية صعوبة بسبب طول المسافة، واحتمال فقدان القوارب في عرض البحر قبل وصولها إلى مناطق الإنقاذ أو اليابسة
تراجع الوافدين لا يعني تراجع المخاطر
وترى المنظمة الدولية للهجرة أن التراجع في أعداد الوافدين يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية لأزمة الهجرة البحرية، لأن انخفاض أعداد العابرين يترافق مع استمرار الوفيات بمعدلات مرتفعة.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي الوفيات والفقدان في أوروبا بلغ 3812 حالة في 2024، ثم انخفض إلى 3401 في 2025، بينما تجاوز العدد 2200 حالة خلال الأشهر الأولى من 2026. وعلى الرغم من أن حصيلة العام الجاري لا تزال أقل من إجمالي العامين السابقين حتى الآن، فإن استمرار تسجيل حالات وفاة وفقدان مع انخفاض أعداد الوافدين يسلط الضوء على طبيعة الرحلات والمخاطر التي يواجهها المهاجرون.
وتشمل البيانات التي تجمعها المنظمة أربعة مسارات رئيسية للهجرة إلى أوروبا: شرق المتوسط، ووسط المتوسط، وغرب المتوسط، وغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي. كما تتابع المنظمة بعض مسارات الهجرة البرية في غرب البلقان ومناطق أخرى، مع إجراءات لتجنب احتساب الأشخاص أنفسهم أكثر من مرة عند عبورهم عدة
عشرات الآلاف وصلوا رغم الانخفاض
وبحسب أحدث قاعدة بيانات للمنظمة، بلغ إجمالي الوافدين إلى أوروبا 70 ألفًا و205 أشخاص حتى 15 سبتمبر، من بينهم نحو 59 ألفًا و500 وصلوا عبر البحر، فيما وصل نحو 10 آلاف و710 أشخاص عبر طرق برية. وتظهر هذه الأرقام أن البحر لا يزال يمثل المسار الرئيسي للهجرة غير النظامية نحو أوروبا رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بالرحلات.
وتكشف بيانات الأشهر الماضية كذلك عن تذبذب واضح في أعداد الوافدين؛ فقد سجلت أوروبا 6077 وصولًا في يناير، و6556 في فبراير، و6630 في مارس، قبل أن ترتفع الأعداد إلى 9752 في يونيو و10 آلاف و776 في يوليو، ثم تتراجع إلى 9855 في أغسطس.
ويعكس هذا التغير ارتباط حركة الهجرة بعوامل موسمية وأمنية واقتصادية، إلى جانب الإجراءات التي تتخذها دول العبور والدول الأوروبية للحد من الرحلات البحرية.
أزمة إنسانية خلف الأرقام
وراء كل رقم في سجلات المنظمة الدولية للهجرة قصة رحلة انتهت بالوصول أو بالفقدان في البحر. وتبقى المشكلة الأكبر في أن حالات الوفاة لا تمثل سوى الجزء الذي يمكن توثيقه، بينما قد تظل مصائر أشخاص آخرين مجهولة عندما تختفي القوارب دون شهود أو عمليات إنقاذ.
وفي أحدث بيان لها، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن أعداد الوصول إلى أوروبا انخفضت بشكل حاد في 2026، بينما استمرت الوفيات في الارتفاع على طريق وسط المتوسط، وهو ما يعيد تسليط الضوء على الحاجة إلى معالجة مخاطر الرحلات البحرية وليس فقط أعداد الوافدين.
وتؤكد البيانات أن انخفاض أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا لا يعني انتهاء الظاهرة، بل إن طرق الهجرة البحرية ما زالت مفتوحة أمام آلاف الأشخاص، بينما يظل البحر المتوسط والمحيط الأطلسي مسرحًا لرحلات محفوفة بالمخاطر.
وبينما تستمر أوروبا في التعامل مع ملف الهجرة من خلال سياسات مراقبة الحدود والتعاون مع دول العبور، تظل الأرقام الإنسانية الوجه الأكثر قسوة للأزمة: 70 ألفًا و205 وافدين إلى أوروبا حتى منتصف سبتمبر، مقابل 2298 شخصًا لقوا حتفهم أو ما زالوا في عداد المفقودين خلال الرحلة.