نعيش هذه الأيام شعوراً من الترقب المريب. ومع تشابك خيوط الاقتصاد والسياسة والتقنية بوتيرة غير مسبوقة، فلم يعد التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور بعد أشهر قليلة أمراً متاحاً لأحد؛ فأبرز الخبراء عاجزون عن قراءة المشهد عند حدود الشهر أو الشهرين كحد أقصى لتوقعاتهم وسط مشهد عالمي شديد السيولة، بدءاً من تحركات الفائدة التي كسرت جمود سنوات، مروراً بأسعار النفط التي تلامس مستويات ضاغطة، وصولاً إلى طفرة الذكاء الاصطناعي التي تبتلع طاقة الكوكب دون بدائل واضحة. يضاف إلى ذلك كله توترات شرايين التجارة العالمية من مضيق هرمز إلى باب المندب، وما تفرضه من تهديدات مباشرة على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد مع أبواب الشتاء، فضلاً عن هزات وثورات الطبيعة المباغتة.
أين نحن؟ وهل نستطيع أن ننجو حقاً عبر الانفصال عن العالم، وضرب أسوار حولنا، لنخلق التوازن الخاص بنا في هذا الوقت غير المسبوق؟ إن الانكفاء الكامل وهمٌ صعب المنال في عالم متشابك؛ فالأزمات تتسلل عبر الحدود، لكن بناء "أسوار داخلية" من الاكتفاء المعنوي، وترشيد الاحتياجات، والاعتصام بالمجتمع الصغير والمحيط الضيق، هو وحده ما يمنحنا درعاً يقينا صدمات الخارج، ويخلق لنا توازناً ذاتياً وسط صخب الكوكب. وفي خضم هذا التموج الهائل الذي تتغير فيه مواقع القوى بسرعة مذهلة، تبرز التساؤلات الحياتية الملحة عن الثبات وسط المتغيرات؛ فكيف نقترب من الاستقرار الشخصي ونحن نستعد لموسم دراسي جديد، وعام تتجدد فيه آمالنا ونفحاتنا الروحية، ولأن الحياة لا تنعزل عن بهجتها، فحتماً سيمضي الزمالك نحو الدوري كعادته في أزمنة التحدي.
حين تكون العواصف الكبرى خارج قدرتنا على التوجيه، يصبح الالتفات للداخل هو الملاذ الوحيد، لأن محاولة السيطرة على حركة العالم استنزاف عبثي للطاقة. التفكير الإيجابي الحقيقي لا يبحث عن أبطال وهميين ليقودوا الخطى، بل يدرك أن المسؤولية فردية ومجتمعية ضيقة النطاق؛ فالمحيط القريب من عائلة وأصدقاء وعمل هو صمام الأمان الحقيقي، فالاستقرار النفسي لا يصنعه هدوء الظروف، بل تصنعه مرونة الروح وقدرتها على إعادة الترتيب، واليقين بأن التوكل على الله هو السند الذي لا يخيب.
وحين تشتد الضغوط وتفرض التحديات الكبرى نفسها بشكل أعمق، تتكشف الحقيقة الكبرى وتتجلى بوصلة البقاء؛ فمن رحم الأرض نبدأ لتصبح هي وطوق النجاة الأثبت حين تتعثر سلاسل الإمداد وتهتز منظومة الغذاء، إلى جانب تكامل المجتمع المعرفي المصغر وشبكات الدعم التضامني المتبادل بين الأقارب والجيران لتبادل الخبرات والخدمات بمعزل عن هشاشة الأسواق. الاهتمام بالإنتاج المحلي المصغر والزراعة يعيد ربط الإنسان بمصادر بقائه الأصيلة، وحين يضغط شبح أزمة الوقود، تتجلى قدرة الإنسان على التكيف وترشيد الموارد، والتعامل بذكاء وبساطة مع المتاح، تماماً كما ورثنا عن خبرات من سبقنا.
العالم اليوم يشبه تماماً تلك الساعة الرملية القديمة؛ فرغت حباتها فتم قلبها لتبدأ العد من جديد، وهذه الهزات، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة لتنقية الأجواء، وتصحيح البوصلة، وإعادة ترتيب أولويات الحياة بعيداً عن صخب الاستهلاك ووهم الثبات الزائف. باليقين، والهدوء، وتشغيل العقل بحكمة، والالتصاق بأصل الوجود، يمكننا عبور الجسر نحو واقع أهدأ، مستمسكين بحبل الله، وواثقين بأن كل عاصفة مهما اشتدت، يعقبها هدوء وبدايات جديدة.