محمود عبد الراضى

الرضا بـ الموجود

السبت، 19 سبتمبر 2026 11:09 ص


في زاوية دافئة من المطبخ المصري القديم، لم تكن الأم تعتمد على وفرة المكونات بقدر ما كانت تتسلح بـ سر عظيم اسمه الرضا، كانت الميزانية ضيقة أحياناً، والأرفف لا تحمل سوى القليل من الخضراوات وبضعة أكياس بسيطة، لكنها بـ لمسة يدها وشيء من الكيمياء الإنسانية الساحرة، كانت تحول ذلك "الموجود" إلى سفرة حافلة بالنعم.

لم يكن الطعام يُطهى فقط على نار البوتاجاز، بل كان يستوي على نار الحب الهادئة، حيث تحول بصلة وحفنة عدس إلى ملحمة مطبخية تطعم القلوب قبل الأجساد، وتملأ البيت بدفء لا تشتريه أرقى المطاعم.

كانت الست المصرية تبدع في غزل الفرح من خيوط الحرمان، وتتقن فن الالتفاف على قلة الحيلة بـ بساطة مدهشة.

تقف أمام خزانة الطعام كـ مهندسة بارعة تعيد تشكيل المتاح، فـ تصنع من بضعة أرغفة جافة وقطعة جبن صغيرة وجبة يلتف حولها الأبناء بشغف وكأنهم على موعد مع أشهى الولائم.

كانت كلمة "الحمد لله" هي البهار الأساسي الذي يمنح الأكل نكهة فريدة، والرضا هو السر الذي يجعل القليل كثيراً، والبركة هي الضيف الدائم الذي يضاعف حجم الصحون ويشبع جميع الجالسين دون أن ينقص المنسوب.

في عصرنا الحالي، حيث امتلأت المطابخ بـ أحدث الأجهزة وتوفرت كل أصناف الطعام على بُعد ضغطة زر عبر التطبيقات، أصبحنا نلاحظ غياب تلك النكهة الخاصة التي كانت تميز أكل زمان.

لقد غرقنا في وفرة المكونات وخسرنا سر الخلطة الإنسانية، باتت الموائد تتنوع بالأشكال والأنواع، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى ذلك الدفء الذي كان ينبع من يد أم تقف بـ إيثار واعتزاز، لـ تقدم لأبنائها أقصى ما تملك بـ أبتسامة راضية تذيب كل معاني الاحتياج.

إن العودة إلى فلسفة "الرضا بـ الموجود" ليست مجرد تعامل مع ظروف اقتصادية، بل هي مدرسة في طمأنينة النفس وجمال العطاء.

لقد علمتنا الأم المصرية أن قيمة الوجبة ليست في سعر مكوناتها، بل في حجم المحبة التي سُكبت أثناء إعدادها، فـ المائدة التي تجمع الأحباء بـ قلوب صافية ونفوس راضية، ستظل دائماً أشهى وأبقى من كل موائد الزيف، لتظل بركة تلك الأيادي القديمة درساً خالداً في كيف نعيش أسعد اللحظات بأبسط الإمكانيات.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة