في منطقة الصناعة، جنوب غربي مدينة غزة، تحولت عمارة "السعادة" السكنية المتصدعة إلى كومة من الركام، بعدما انهارت ليلا على نازحين احتموا بها، مخلفة 21 فلسطينيا شهيدا، فيما ظل عشرات آخرون في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
صراخ موظف الدفاع المدني
وسط الركام، وقف أحد رجال الدفاع المدني يبحث عن أي علامة تدل على وجود ناجين، طلب من الجميع التزام الصمت، لعل صوتا يأتي من بين طبقات الإسمنت والحجارة، وبأعلى صوته، أخذ ينادي: " هل هناك أحد على قيد الحياة؟ هل يسمعني أحد؟ هل هناك أحد يسمع؟".
استنجاد الطفل
بعد لحظات، جاءه صوت طفل من تحت الأنقاض، حيث قال الطفل: "أنا أسمعك يا عمو"، ثم أخبر رجل الإنقاذ أنه عالق بين سقفين، ولا يستطيع الحركة أو الكلام، ولا يعرف إن كان أحد يراه أو يسمع صوته، وأضاف بصوت يملؤه الخوف: "أنا أموت يا عمو من الخوف، وبعد قليل سأموت من نقص الأكسجين".
كان الطفل عالقا في مساحة ضيقة تحت الركام، فيما حاولت فرق الدفاع المدني تحديد موقعه والوصول إليه، وسط صعوبة عمليات البحث والإنقاذ، مرت الساعات ثقيلة، وبعد نحو ثلاث ساعات، تمكن رجال الدفاع المدني من الوصول إلى المكان الذي كان الطفل عالقا فيه، لكنهم لم يخرجوه حيا.

مبنى السعادة
استشهاد الطفل
انتشلت الطواقم جثمان الطفل من تحت الأنقاض، لتنتهي بذلك استغاثة بدأت بصوت صغير يبحث عن النجدة، وانتهت بمأساة جديدة تضاف إلى ضحايا انهيار المبنى.
كان الطفل قد طلب النجاة، وقال لمن سمع صوته: "أنا أسمعك يا عمو"، لكنه لم يمهل الوقت فرق الإنقاذ للوصول إليه حيا، وبقيت كلماته شاهدة على لحظاته الأخيرة تحت الأنقاض، وعلى مأساة عشرات الأشخاص الذين لا يزال مصير بعضهم مجهولا، فيما تتواصل عمليات البحث بين ركام عمارة "السعادة" بحثا عن ناجين أو مفقودين.
وأعلنت مديرية الدفاع المدني بالقطاع، أن مدينة غزة منذ منتصف الليل قبل الماضي شهدت مشهد من المشاهد المأساوية المؤلمة، حدث إنساني قاسي بانهيار مبنى السعادة، تحت هذه البناية السكنية عشرات المفقودين الأبرياء، بعد أن لجأت إليه عشر أسر نازحة، دفعها العدوان الإسرائيلي مرغمة للسكن فيه، حتى تؤوي أبنائها بين جدرانه وأعمدته المتصدعة.
وقال محمود بصل المتحدث باسم الدفاع المدني بالقطاع، إن الناس استيقظوا على وقع صراخ وبكاء الأطفال والنساء والمسنين، بعد انهيار هذه البناية التي سُميت بعمارة "السعادة" والمكونة من 6 طوابق، كانت تؤوي قرابة المائة شخص، وفي محيطها عشرات الخيام، نصفهم أطفال أبرياء معهم أمهاتهم وآبائهم، هم الآن تحت أنقاضها حيث كان قد استهدفها جيش الاحتلال خلال حرب الابادة المستمرة بحق المدنيين في غزة.
وأوضح أن هذه المأساة تذكرنا مجددا بآلاف الشهداء الذين استشهدوا بسبب الاستهدافات الإسرائيلية للمباني والمنازل السكنية، كما تذكرنا بآلاف الذين لا زالوا مفقودين تحت أنقاضها، غير قادرين على انتشالهم بسبب تعنت الاحتلال ورفضه ادخال الأجهزة والمعدات والبواقر والكباشات اللازمة للتعامل مع هذه الأحداث المأساوية.
وتابع :" لا زال تحت أنقاض هذه البناية والخيام قرابة مائة شخصا مفقودين، استطاعت طواقمنا بالتعاون مع اللجنة المصرية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وبلدية غزة من انقاذ 16 شخصا بعضهم مصابين"، مطالبا بشكل عاجل توفير باقرين وحفار وكباشات لإنقاذ بعض الأشخاص الأحياء.
وحذر من حدوث انهيارات أخرى قد تطال عشرات المباني المتصدعة مع اقتراب فصل الشتاء، مطالبا بإدخال معدات وآلات الإنقاذ اللازمة للتعامل مع هذه الكوارث.