في قلب صعيد مصر، لا يقترب مشروع "أنوبك" من مجرد إضافة مجمع جديد إلى خريطة معامل التكرير المصرية، وإنما من اختبار فعلي لقدرة الصناعة البترولية المحلية على تحويل أحد المنتجات الأقل قيمة اقتصاديًا إلى سلة من الوقود والمنتجات البترولية الأعلى قيمة، بما يعيد تشكيل جانب من معادلة إمدادات الطاقة في الجنوب.
فبحسب وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، المقدمة من وزير التخطيط أحمد رستم ووافق عليها البرلمان بغرفتيه ( مجلسي النواب، الشيوخ) تستعد شركة أسيوط الوطنية لتصنيع البترول «أنوبك» لبدء التشغيل التجريبي لمجمع التكسير الهيدروجيني للمازوت في أسيوط خلال الربع الأخير من عام 2026، في خطوة تستهدف رفع قدرة صعيد مصر على توفير احتياجاته من المنتجات البترولية من داخل الإقليم، بدلًا من الاعتماد على نقل الإمدادات من مناطق التكرير الأخرى أو تغطية جانب من الاحتياجات عبر الاستيراد.
من المازوت إلى منتجات ذات قيمة أعلى
جوهر المشروع يبدأ من نقطة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الصورة النهائية للوقود الذي يصل إلى المستهلك؛ إذ يستقبل المجمع المازوت منخفض القيمة الناتج عن شركة أسيوط لتكرير البترول، ليعيد معالجته عبر منظومة صناعية متقدمة وتحويله إلى منتجات بترولية عالية الجودة، وفق المواصفات والمعايير البيئية المستهدفة.
وهنا تكمن أهمية المشروع: المادة الخام التي كانت تمثل منتجًا منخفض القيمة تتحول داخل المجمع إلى منتجات تدخل مباشرة في تلبية احتياجات سوق الوقود.
وبحسب الطاقة التصميمية المستهدفة، ينتج المجمع سنويًا نحو 2.5 مليون طن من السولار، و400 ألف طن من النافتا، و100 ألف طن من البوتاجاز، إلى جانب 300 ألف طن من الفحم و66 ألف طن من الكبريت.
وبذلك لا يتعلق أثر المشروع بزيادة حجم الإنتاج فقط، وإنما بإعادة توجيه قيمة المازوت داخل منظومة التكرير المصرية، وتحقيق استفادة أكبر من كل برميل خام يدخل دورة الإنتاج.
السولار في قلب المعادلة
ويأتي السولار في مقدمة المنتجات المستهدفة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 2.5 مليون طن سنويًا، وهو ما يمنح المشروع وزنًا خاصًا في معادلة توفير احتياجات النقل والقطاعات الإنتاجية في صعيد مصر.
فالهدف لا يتوقف عند إنتاج الوقود داخل أسيوط، وإنما يمتد إلى تقليل المسافات التي تقطعها المنتجات البترولية بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك، بما يمكن أن ينعكس على كفاءة منظومة الإمداد وتقليل الضغوط المرتبطة بتدبير المنتجات البترولية من الخارج.
ومن هذه الزاوية، يصبح المشروع جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز حدود أسيوط، عنوانها زيادة قدرة قطاع التكرير المحلي على إنتاج المنتجات المطلوبة بدلًا من الاعتماد على استيرادها.
خمس وحدات رئيسية وراء عملية التحول
ولا يقوم المجمع على وحدة تكسير واحدة، وإنما على منظومة صناعية متكاملة تضم خمس وحدات رئيسية، من بينها وحدة لإنتاج الهيدروجين، ووحدة لاستخلاص الكبريت، إلى جانب وحدات المعالجة الهيدروجينية والتكسير الهيدروجيني.
وتتكامل هذه الوحدات مع نحو ثماني وحدات مساندة، بما يوفر البنية اللازمة لاستمرار العملية الإنتاجية وتشغيل المجمع باعتباره منظومة متكاملة، وليس مجرد إضافة منفردة إلى معمل أسيوط.
82% من التنفيذ.. والاختبار الحقيقي في 2026
ووفق البيانات الواردة في خطة التنمية، وصلت نسبة الإنجاز الكلية للمشروع إلى 82% بنهاية مارس 2025، مع استهداف الانتهاء من الأعمال الإنشائية والمعمارية قبل منتصف عام 2026، ثم الانتقال إلى الاختبارات والتشغيل التجريبي خلال الربع الأخير من العام.
وبذلك يمثل عام 2026 نقطة التحول الأساسية في عمر المشروع؛ فمن مرحلة الإنشاء والتمويل والمعدات، ينتقل المجمع إلى مرحلة اختبار قدرته الفعلية على إنتاج الكميات والمواصفات المستهدفة.
3.1 مليار دولار.. ارتفاع التكلفة لا يغير رهانات المشروع
لم تكن رحلة المشروع بمعزل عن التغيرات التي ضربت أسواق التمويل والعملات وتكاليف المعدات العالمية؛ فقد ارتفعت التكلفة الاستثمارية الإجمالية إلى نحو 3.1 مليار دولار، مقابل 2.8 مليار دولار وفق التقديرات السابقة في عام 2022.
ورغم ضخامة الاستثمار، فإن نحو 40% من التكلفة يمثل مكونًا محليًا، بما يعكس مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ جانب معتبر من الأعمال الهندسية والإنشائية للمشروع.
أما التمويل الخارجي، فقد حصلت «أنوبك» في فبراير 2022 على اتفاقيات تمويل دولية بقيمة 1.5 مليار دولار مع ست مؤسسات مالية، من بينها «كريدي أجريكول» و«يوني كريديت» و«إتش إس بي سي»، بضمانة وكالة «ساتشي» الإيطالية لتنمية الصادرات.
مشروع واحد ضمن خريطة أكبر للتكرير
ولا تتحرك «أنوبك» بمعزل عن استراتيجية أوسع لزيادة طاقات التكرير المحلية؛ إذ تراهن وزارة البترول والثروة المعدنية على مجموعة من المشروعات، من بينها توسعات معمل ميدور ووحدة تقطير المكثفات التابعة لشركة النصر للبترول، لزيادة قدرة مصر على توفير المنتجات البترولية محليا.
ومن ثم، فإن دخول مجمع التكسير الهيدروجيني في أسيوط مرحلة التشغيل لا يمثل نهاية مشروع، بقدر ما يمثل حلقة جديدة في إعادة ترتيب خريطة التكرير المصرية؛ خريطة تتحول فيها أسيوط من منطقة تستقبل جانبًا مهمًا من احتياجاتها البترولية إلى مركز قادر على إنتاج كميات كبيرة من الوقود والمنتجات البترولية داخل الصعيد.
وفي هذه النقطة تحديدا تتجاوز قصة "أنوبك" حدود المصنع، فكل طن سولار يخرج من المجمع هو جزء من معادلة الإمداد المحلي، وكل طن مازوت منخفض القيمة يدخل دورة المعالجة هو فرصة لتحويل مورد أقل قيمة إلى منتج أعلى قيمة، وكل توسع في التكرير المحلي يضيف طبقة جديدة إلى هدف تقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.