محمود عبد الراضى

حين يتحول المنصب إلى استعلاء

الجمعة، 18 سبتمبر 2026 11:16 ص


في مقاعد الحياة المتغيرة، هناك فخاخ ناعمة تنصب لنا دون أن ندري، نسقط فيها حين نتوهم أن القمة التي نقف عليها ثابتة، وأن الأرض أسفلنا مجرد أثر لخطوات الآخرين.

يبدأ الأمر بتغير طفيف في نبرة الصوت، ثم ينتهي بجدار سميك يعزلنا عن الآخرين؛ إنه الاستعلاء، ذلك الداء الناعم الذي يتسلل إلى النفوس حين تعمى عن حقيقة ذاتها.

ليس الاستعلاء مجرد نظرة شزر، بل هو عمى بصيرة يجعل العبد يرى الناس أصاغر في عينيه، بينما هو في أعينهم مجرد حجم تائه.

والمفارقة المأساوية تكمن في أن هذا المزيج من الغرور يمارسه البعض إما باسم "الرتبة" والمنصب، أو باسم "الاستقامة" والدين؛ وكلاهما سوء فهم عميق لمنطق الأشياء.

فأن تسكرك الوظيفة، أو تغرك النياشين المعلقة على الكتف، يعني أنك نسيت أن الكراسي لا تدوم، وأن المناصب ما هي إلا أردية نرتديها صباحا ونخلعها مساء.

فالرتبة التي تجعلك تسحق الناس بدلا من أن تخدمهم، تتحول من شرف إلى قيد، ومن رفعة إلى هبوط أخلاقي تسقط فيه أمام نفسك قبل أن تسقط في أعينهم.

فكم من صاحب سلطة غادر كرسيه، فلم يجد خلفه إلا صداً صامتاً، وكم من بسيط سار بين الناس محفوفاً بالدعوات والأنوار.

أما الخطر الأكبر، فيكمن في الاستعلاء بالدين؛ حين يظن المرء أن قربه من الله يمنحه حق الوصاية على خلقه، أو أن استقامته تجعله في مرتبة أعلى من السالكين، والدين في جوهره خفض للجناح، ورقة في الفؤاد، وتقوى لا تباهي بها.

إن من يستعلي بصلاته أو حجابه أو عبادته، قد أفرغ هذه الطاعات من روحها، فبدلا من أن تسقيه التواضع، ملأته بالغرور، وبدلا من أن تقربه من العباد، جعلته يتيه عليهم بفضيلته المتوهمة.

إن الألقاب تزول، والرتب تتهاوى، والعبادات لا تقبل إلا بقلب سليم خال من الكبر.

نحن جميعا عابرو سبيل، يجمعنا أصل واحد، وتفرقنا الأوهام التي نسجناها حول ذواتنا، فلا تجعل منصبك ينسيك إنسانيتك، ولا تجعل استقامتك تنسيك أن القبول بيد الله وحده.

ابتسم للناس، انزل عن عرشك الزجاجي، وتذكر دائماً أن أجمل القمم تلك التي نصل إليها ونحن نمسك بأيدي الآخرين، لا تلك التي نرديهم من فوقها لننفرد بالجلوس.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة