ليست أخميم مجرد مدينة عريقة على ضفاف النيل، وإنما واحدة من الأماكن التي كلما اقتربت منها اكتشفت أن للتاريخ فيها حكايات أخرى لم تروى كاملة بعد، فبين شوارعها ومناطقها الأثرية تقف أديرة وكنائس شاهدة على قرون طويلة من التاريخ المسيحي في مصر، تحمل بين جدرانها ملامح العمارة القبطية وذكريات القديسين وتفاصيل معمارية بقيت حاضرة رغم تعاقب السنوات.
وفي قلب صعيد مصر، تبدو أخميم وكأنها كتاب مفتوح للتاريخ، تتجاور فيه آثار العصور المختلفة، بينما تحتفظ الأديرة والكنائس المنتشرة في محيطها بطابع خاص يجمع بين بساطة البناء وروحانية المكان، خاصة تلك التي يرجع تاريخ بعضها إلى القرون المسيحية المبكرة، وأخرى ارتبطت بالقرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.
كنيسة أبو السيفين.. حكاية قديس يحمل سيفين
وسط مدينة أخميم تقف كنيسة أبو السيفين شاهدة على جانب من تاريخ المسيحية في المنطقة، ويعود تاريخها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وقد أقيمت تكريمًا للقديس «أبو السيفين»، الذي كان ضابطا في الجيش الروماني.
وتحمل صورة القديس داخل الكنيسة دلالات واضحة، إذ يظهر مرتديا زي الجند وممتطيا جوادا، بينما يحمل سيفين فوق رأسه، ويرمز السيف الثاني إلى الجهاد في سبيل الإيمان ولا تتوقف حكاية الكنيسة عند الرمزية الدينية، فمبناها نفسه يحمل ملامح معمارية مميزة، حيث يتوسط المدخل الجدار الشرقي المؤدي إلى صحن مستطيل، ينقسم إلى ثلاثة أجنحة بواسطة الأعمدة والأقبية نصف الدائرية، لتقدم الكنيسة نموذجا واضحا للطراز المعماري الذي تميزت به كنائس أخميم.
دير السيدة العذراء بالديابات.. سور يحفظ حكاية المكان
وعلى بعد نحو 4 كيلومترات شرق قرية الحواويش، يظهر دير السيدة العذراء بالديابات، أحد أبرز المعالم الدينية في المنطقة، والذي يعود تاريخه إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، ويحيط بالدير سور مربع، بينما تمثل الكنيسة الرئيسية أحد أهم مبانيه، وتضم ثلاثة هياكل نصف دائرية بها حنيات، إلى جانب حجرتين جانبيتين تؤديان إلى ممر خلفي.
ويمنح هذا التصميم الدير خصوصية معمارية، فهو يجمع بين بساطة البناء وملامح العمارة الدينية التي ميزت أديرة وكنائس أخميم على مدار قرون، ليبقى المكان شاهدا على تاريخ ديني ومعماري متواصل.
دير الشهداء.. رحلة إلى برية أخميم
ومن الديابات إلى برية أخميم، تأخذ الرحلة الزائر إلى دير الشهداء، الذي يقع شمال دير العذراء، ويعد من أبرز الأديرة الموجودة في المنطقة، ويضم الدير خمسة هياكل، هي هيكل الملاك ميخائيل، وهيكل القديس ديسقورس، وهيكل القديس إسكلابيوس، وهيكل العذراء مريم، وهيكل القديس مارجرجس.
ولا يرتبط المكان بالعمارة وحدها، فموقعه الهادئ ومساحته الواسعة جعلاه يستخدم كمزار خلال أعياد القديسين، ليصبح مقصدا للزوار والحجاج الذين يقصدون المنطقة بحثا عن الأجواء الروحية وملامح التاريخ القبطي التي ما زالت حاضرة في المكان.
دير مار جرجس.. حين تغير اسم «دير الحديد»
وعلى الطريق الشرقي بين أخميم ونجع حمادي، تظهر حكاية أخرى من حكايات الأديرة، هي حكاية دير مار جرجس، الذي يعود تاريخه إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وكان الدير يعرف قديما باسم «دير الحديد»، تكريما للقديسين أولوجيوس وأرسانيوس، قبل أن يحمل لاحقًا اسم القديس مار جرجس.
وتتميز الكنيسة بثلاثة هياكل نصف دائرية، وتتوسط الصحن أمام الهيكل الأوسط قبة رئيسية، في مشهد معماري يعكس طبيعة الكنائس والأديرة التي انتشرت في المنطقة، ويمنح المكان خصوصية جعلته واحدا من المعالم الدينية والتاريخية المهمة في أخميم.
دير الأنبا بسادة.. حكاية بدأت في القرن الرابع
لكن عندما تصل الحكاية إلى دير الأنبا بسادة، فإنها تعود بالقارئ إلى قرون أبعد، حيث يعود تاريخ الدير إلى القرن الرابع الميلادي، ويقع الدير في الضفة الشرقية لنهر النيل بقرية نجع الدير، ويعرف محليا باسم «دير الشايب»، ويضم كنيسة تقع في الجهة الشرقية منه، ويحمل دير الأنبا بسادة قيمة خاصة في خريطة التاريخ المسيحي بصعيد مصر، باعتباره من أقدم الأديرة في المنطقة، ليصبح وجوده امتدادا حيا للدور الديني الذي لعبته أخميم خلال العصور المسيحية المبكرة.
دير الملاك.. مزار يحتفظ بملامح الماضي
وفي قرية الديابات، شمال دير الشهداء، يوجد دير الملاك، الذي يعود تاريخه إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، ويستخدم الدير كمزار خلال أعياد القديسين، ويحتفظ بطابعه التاريخي ومعماره المميز، ورغم عدم وجود بئر مياه داخلية به، فإنه يظل واحدا من الأماكن التي تستوقف الزائر بما تحمله من تفاصيل تاريخية وروحية.
أخميم.. مدينة تحكي تاريخ المسيحية في مصر
وبين كنيسة أبو السيفين ودير السيدة العذراء بالديابات ودير الشهداء ودير مار جرجس ودير الأنبا بسادة ودير الملاك، تتشكل أمام الزائر خريطة مختلفة لأخميم، خريطة لا تعتمد فقط على المواقع الأثرية وإنما على الحكايات التي تحملها الأماكن.
فهنا مبانى تعود إلى العصور المسيحية المبكرة، وهناك كنائس وأديرة تحمل ملامح الطراز القبطي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبينهما تفاصيل معمارية وذكريات دينية تعكس مكانة أخميم.

دير الملاك بسوهاج

كنيسة أبى سيفين أخميم

كنيسة مارى جرجس