وبمناسبة الكارثة التي استفاق عليها سكان الجيزة، عندما تفاجأوا بالحملة الأخيرة لقطع الأشجار بشارع جامعة الدول العربية، في واقعة لم تكن الأولى من نوعها فقد سبقتها مراحل عديدة لقطع الأشجار الضخمة العريقة النادرة بأحياء كثيرة من القاهرة على رأسها حي مصر الجديدة، هذا الذي يعد جرماً بشعاً يستوجب المحاسبة والردع، لما يحمله من عدة جرائم لا تقل أهميتها عن الأخرى، فأولها الإضرار بمتنفس المصريين الوحيد وآخرها تشويه جمال القاهرة الطبيعي عن عمد وما بينهما الكثير. ولكن الدولة قد تدخلت بقرارات حاسمة لمنع تلك المهازل والتحقيق بأسبابها ومن ورائها. لذا أكرر كلماتي التي كنت قد كتبتها منذ عدة سنوات والتي كانت كالتالي:
{أتذكر دوماً تلك المشاهد الجميلة بالأفلام المصرية التي تم تصويرها بالحدائق المصرية الشهيرة كحديقة الأورمان والأسماك والحيوان وغيرها من الحدائق العامة التي كانت مزارات لجميع المصريين من مختلف الأعمار، والتي كانت متاحة بأسعار زهيدة للقطاع الأكبر من الطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة ممن لا يشتركون بالنوادي الرياضية ولا يمتلكون القصور والفيلات ذات الحدائق الشاسعة. فضلاً عن كونها متنفساً للمصريين ومتنزهاً للأسرة، ورئة ضخمة نحتاج إليها بكثافة لضخ الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، خاصة بعدما أصيبت الأرض بهذه التغيرات المناخية الحادة التي أضرت بكافة سكانها أضراراً بالغة وتهددت بالانقراض على إثرها سلالات بعينها من الحيوانات، لذا فما أحوجنا لتوسيع رقعة المساحات الخضراء بكل وسيلة والاعتناء بها وإعادة إحياء تلك الثقافة بين جموع الشعب للحفاظ عليها. وفي نظرة سريعة لبعض أهم الحدائق المصرية العامة التي كانت متنزهات أساسية للأسرة المصرية:
{حديقة الأزبكية} إحدى أعرق الحدائق النباتية في مصر، في عام ١١٨٦م تم ردم البركة التي كانت تتوسط الميدان، وأنشئ في نفس مكانها عام ١٨٧٢م حديقة الأزبكية على يد المهندس الفرنسي «باريل ديشان بك»، على مساحة 18 فداناً أحيطت بسور من البناء والحديد وفتحت بها أبواب من الجهات الأربع. وكان يقام بالحديقة العديد من الاحتفالات الرسمية والشعبية الكبرى للأجانب والمصريين، ففي يونيو ١٨٨٧م تم الاحتفال بعيد الملكة فيكتوريا من قبل الجالية الإنجليزية في مصر، واحتفال الجالية الفرنسية بعيد ١٤ يوليو، أما الاحتفالات المصرية في الحديقة فكان أبرزها الاحتفال بعيد الجلوس السلطاني. وبعد حريق القاهرة في ٢٦ يناير عام ١٩٥٢م، طرأت على ميدان الأزبكية تغيرات كثيرة فقد قسمت الحديقة، وشيد على جزء منها سنترال الأوبرا، واخترقها شارع 26 يوليو فقسمها إلى قسمين.
{حديقة الأسماك} أو حديقة الجبلاية، توجد في الزمالك في شارع الجبلاية بالقاهرة، أنشأها الخديوي إسماعيل في سنة ١٨٦٧م، وتعتبر من أفضل الحدائق التي أنشئت في عصر الخديوي في القاهرة. الحديقة تديرها إدارة حديقة الحيوان بالجيزة من سنة ١٩٠٢ وقد قامت بإصلاح ٢٤ حوضاً لعرض 33 نوعاً من الأسماك النيلية فيها قبل افتتاح الحديقة للجمهور رسمياً في ٢١ نوفمبر ١٩٠٢م. أغلقت الحديقة في سنة ١٩٦٥ لفترة طويلة، وذلك للتصليح وتم تجديدها وأشرف على التصليح جهات علمية وهندسية تابعة لوزارة الزراعة المصرية، وافتتحت مرة أخرى في سنة ١٩٨٣، تبلغ مساحتها مضافاً إليها مجموعة الحدائق النباتية المجاورة لها نحو تسعة أفدنة ونصف، وقد كان تصميمها على شكل ممرات أو تجاويف داخل شعاب مرجانية تقبع في باطن البحر، فإذا ما نظرت إلى سقف أحد الممرات ستجده وكأنه واحد من بين تجاويف أخرى صنعتها الأمواج وهي تصاميم تعزف ألحاناً عند مرور الهواء بها تشبه إلى حد كبير حركة الماء وذلك من خلال حركة الهواء المندفع من المداخل الأربعة متنقلاً بين الكهوف، كما توجد خارج الجبلاية ممرات تفصل بين مسطحات خضراء تحتوي على أشجار نادرة جلبت خصيصاً من مدغشقر وأستراليا وتايلاند حيث الغابات النادرة، التي تتميز بها هذه المناطق، وفي الأماكن المظلمة من الممرات يتم تسليط النور الكهربائي بطريقة فنية رائعة.
{حديقة الأورمان} هي حديقة في محافظة الجيزة أمام حديقة الحيوان بالجيزة. وتعتبر من أكبر الحدائق النباتية في العالم حيث إنها مقامة على مساحة 28 فداناً، وتضم الحديقة مجموعة نادرة من الأشجار والنخيل. تم إنشاء حديقة الأورمان في عهد الخديوي إسماعيل عام 1875 بهدف إمداد القصور الخديوية بالفاكهة والموالح والخضر والتي تم استجلابها من جزيرة صقلية وكانت الحديقة جزءاً من قصر الخديوي والذي عرف آنذاك بسراي الجيزة وجلب الخديوي لهذه الحدائق أشجاراً ونباتات مزهرة من جميع أنحاء العالم وكلمة أورمان كلمة تركية تعني الغابة أو الأحراش وهي من الحدائق النباتية النادرة في مصر حيث بها أكبر مجموعة نباتية تضم 100 فصيلة تحتوي على 300 جنس يتبعها 600 نوع، كما يوجد بالحديقة قسم لتبادل البذور مع جميع الحدائق والمراكز البحثية في العالم. تتبع الحديقة الإدارة المركزية للتشجير والبيئة التابعة لوزارة الزراعة.
{حديقة حيوان الجيزة} أو جنينة الحيوانات تأسست سنة ١٨٩١، وهي أكبر حديقة للحيوانات في مصر والشرق الأوسط وأول وأعرق حدائق الحيوانات في إفريقيا، حيث كانت تسمى «جوهرة التاج لحدائق الحيوان في إفريقيا».
{حدائق وقصر أنطونيادس} هي حدائق يرجع بعض المؤرخين تاريخ إنشائها إلى الفترة البطلمية في مصر وهي أقدم حدائق مدينة الإسكندرية في مصر وتعتبر من بين أقدم الحدائق التي أنشأها الإنسان على مستوى العالم، إذ تقع ضمن ضاحية إيلوزيس أو «جنات النعيم».
{حديقة الميريلاند} وهي أكبر حدائق حي مصر الجديدة بالقاهرة، تقع على مساحة 50 فداناً وتمتد على طول ثلاث محطات للمترو الذي يمر أمامها وهو مترو عبد العزيز فهمي. حديقة الميريلاند مليئة بالأشجار العالية والوارفة الظلال، كما تحتوي أيضاً على بحيرة كانت تبحر بها المراكب الصغيرة، وفي ١٩٦٣م أضيف للحديقة كازينو وأراضي التزلج على الجليد، كما أنشئ بها مشتل خاص يستعمل في تشجير الحديقة وبيع النباتات للجمهور، بعدها تم إنشاء ثلاث كافيتيريات لخدمة الجمهور ثم حوّلت شركة سندباد الحديقة إلى مكان سياحي ترفيهي عالمي، حيث تم إنشاء بعض المطاعم العالمية بالإضافة لعروض الدولفين وكلاب البحر.
{حدائق القناطر الخيرية} حازت حدائق القناطر الخيرية بالقليوبية على نهر النيل على شهرة كبيرة، بين جميع حدائق مصر بموقعها الفريد والمتميز، فهي المحببة عبر التاريخ إلى قلب ملوك ورؤساء مصر، إنها حدائق القناطر الخيرية، صاحبة المناظر الخلابة، تقع بين فرعي دمياط ورشيد، وتتميز بضمها للعديد من الأنواع النادرة من الأشجار التي يعود عمر بعضها إلى مئات السنوات، وخلال الفترة الماضية تعرضت للإهمال وهو ما جعل موقعها السياحي في غير ترتيبه السليم، إلا أن الدولة ممثلة في وزارة الري مدت لها يد النجدة والعون للعودة إلى مكانتها من جديد. وقد تم الانتهاء من أعمال التطوير بحديقتي "عفلة" و"النيل" بالقناطر الخيرية، كما تمت أعمال الرفع المساحي لحديقتين أخريين، من 10 حدائق ضمن خطوات وزارة الري للانتهاء من أعمال التطوير للحدائق التابعة لوزارة الري بالمنطقة، حتى تعود القناطر الخيرية على خريطة السياحة المصرية كما كانت من قبل.
هذا بالإضافة إلى الكثير من الحدائق الرائعة بكافة أنحاء الجمهورية أشهرها: "الأندلس، الأزهر، الحديقة الدولية، حديقة حيوان الإسكندرية، الحديقة اليابانية".
نهاية: أناشد كل مصري ومصرية بالحفاظ على كل نبتة خضراء ومراعاتها وتقدير قيمتها صحياً وجمالياً ونفسياً، فكلما زادت المساحات الخضراء تزايدت نسب الأكسجين وتناقصت الانبعاثات الكربونية، كما تؤثر المساحات الخضراء على الصحة النفسية، فالجمال يبعث الهدوء والسكينة والراحة بالنفس البشرية وبما أن الدولة بادرت بإعادة الاهتمام بالحدائق المصرية العريقة لفتحها لجماهير الشعب المصري وتبنت خطة شاملة لإصلاحها بعدما أفسدتها سنوات طويلة من الإهمال، فعلينا جميعاً أن نتعاون بهذه الخطة بكل ما نستطيع وإن كان عن طريق التوعية والتعريف بأهمية الحدائق الخضراء على كافة المستويات}.
حفظ الله مصر ورد عنها كيد الكائدين ورفع عنها عبث أيادي الفاسدين.