كثيرًا ما يعقد البعض مقارنات بين مواقف وثوابت الحركة الصهيونية العالمية وجماعة الإخوان الإرهابية.
الثابت تاريخيًا أن أقوى تنظيمين عالميين خلال القرن العشرين كانا الحركة الصهيونية العالمية والتنظيم الدولي للإخوان.
من وقت لآخر، يثير الحديث عن أوجه التشابه بين جماعة الإخوان وبعض التيارات الصهيونية جدلًا واسعًا، ويحتاج إلى التمييز بين التشابه الفكري والتنظيمي وبين إثبات وجود علاقة مباشرة أو تنسيق سياسي بين الطرفين.
جماعة الإخوان تأسست عام 1928 على يد حسن البنا، ورفعت منذ بداياتها شعارات مناهضة للصهيونية، خصوصًا في سياق الصراع العربي–الصهيوني حول فلسطين. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن هناك تقاطعات في عدد من آليات التفكير والتنظيم.
كثير من التيارات الصهيونية تأسست على رابطة دينية وقومية تتجاوز حدود الدولة، بينما تبنت كتابات إسلامية، خاصة أفكار سيد قطب، تصورًا يجعل العقيدة أساسًا للهوية والانتماء، والأمة أوسع من الحدود الوطنية.
خلال قرن كامل، اعتمد الإخوان على بناء تنظيمي متدرج يقوم على التربية والانضباط والطاعة، وارتبط «النظام الخاص» في مراحل تاريخية بالعمل السري والعنف السياسي. وفي المقابل، ظهرت داخل الحركة الصهيونية منظمات سرية ومسلحة استخدمت العمل العسكري لتحقيق أهداف سياسية.
لكن التشابه في البنية التنظيمية أو وسائل العمل لا يمثل، بمفرده، دليلًا على وجود علاقة مباشرة أو اقتباس متبادل.
لم تكن فلسطين وحدها ضمن التصورات المبكرة للحركة الصهيونية؛ ففي عام 1902، بحث تيودور هرتزل مع وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين مشروع إقامة مستوطنة يهودية في منطقة العريش بسيناء.
وأُرسلت بعثة لدراسة المنطقة على أرض الواقع، لكن المشروع فشل نتيجة عوامل عدة، من بينها المعارضة المصرية والعثمانية، والصعوبات الاقتصادية والمائية، واعتراضات من بعض اليهود المصريين. وظلت فلسطين الهدف المركزي للمشروع الصهيوني، فيما بقيت سيناء لدى الحركة الصهيونية تحمل مسمى «فلسطين المصرية»!
عاد الجدل حول سيناء مرة أخرى خلال حكم محمد مرسي. ففي نوفمبر 2012، وخلال كلمة ألقاها المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، في مسجد عمرو بن العاص بالقاهرة، نُسب إليه قوله: «لا مانع من إقامة مخيمات للفلسطينيين في سيناء»، مستشهدًا بوجود مخيمات فلسطينية في الأردن ولبنان.
هذه التصريحات أثارت انتقادات سياسية واسعة، خصوصًا في ظل المخاوف المصرية من أي طرح يؤدي إلى توطين فلسطينيين في سيناء أو تحويلها إلى بديل عن الأراضي الفلسطينية. كما وجه معارضو الجماعة اتهامات إليها بالمرونة تجاه أفكار تتعلق بإعادة توطين فلسطينيين من غزة في سيناء، وربطوا ذلك بمشروعات إقليمية ظهرت لاحقًا في سياق ما عُرف بـ«صفقة القرن».
تسريبات رسائل البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، التي كُشف عنها لاحقًا، أضافت بُعدًا آخر إلى النقاش حول علاقة جماعة الإخوان بالقوى الدولية خلال مرحلة ما يُسمى بـ«الربيع العربي». فقد تضمنت رسائل تعود إلى عام 2012 مناقشات بشأن ترتيبات لقاء وفود من جماعة الإخوان في واشنطن، وأشارت مراسلات إلى لقاءات مع عناصر إخوانية من مصر وتونس والمغرب، في إطار الاتصالات الأمريكية مع القوى السياسية الصاعدة آنذاك.
هذه الاتصالات في حد ذاتها لا تشير إلى وجود تنسيق مع إسرائيل أو الحركة الصهيونية، لكنها تكشف حجم التواصل السياسي بين الجماعة والإدارة الأمريكية خلال تلك المرحلة، وهي اتصالات أصبحت محل جدل واسع في مصر والمنطقة، خاصة بعد عقود طويلة من العداء المعلن بين الإخوان والأمريكيين.
هذه الوقائع تصلح للمقارنة والبحث بين الأفكار العابرة للحدود، والبنية التنظيمية المغلقة، والعمل السري، وبعض المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية وسيناء. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحالف تاريخي بين الإخوان والحركة الصهيونية.
في المقابل، تظل واقعة مشروع العريش الذي طرحه هرتزل عام 1902 حقيقة تاريخية مهمة تؤكد أن سيناء دخلت بالفعل، في مرحلة مبكرة، ضمن بعض التصورات الصهيونية المتعلقة بإقامة تجمع أو وطن لليهود خارج فلسطين.
الإخوان حلموا بتنفيذ مخطط التوطين في سيناء.. وإسرائيل عادت إلى أوهامها القديمة في «فلسطين المصرية»!
أليس هناك تلاقٍ في الأفكار والأهداف؟
Sherifaref2020@gmail.com