محافظة بورسعيد هي رمز للنضال والبسالة في التاريخ المصري الحديث؛ عندها التقى الأعداء واستهدفوا مصر عن طريقها، كما التقت قناة السويس بالبحر المتوسط. عانت في عام 1956، وناضلت في عام 1967، وانتصرت، كما انتصرت مصر كلها، في عام 1973. وشهدت نضال حفر قناة السويس، ودُفن في أرضها آلاف الأجداد أثناء الحفر، تحت ظروف قاسية. وعاصرت الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس السادات، عن طريق وضعها منطقةً اقتصادية حرة لا تخضع للجمارك، ثم قام الرئيس مبارك بتغيير استراتيجية بورسعيد الاقتصادية، ومن هنا بدأت معاناة أهالي بورسعيد تتزايد.
فعلى الرغم من موقعها الاستراتيجي وأهميتها القومية (ميناءا شرق وغرب، ومنطقة اقتصادية لقناة السويس)، فإنها تعاني تراكم مشكلات معيشية مزمنة لم تجد حلولًا جذرية.
سنحاول التركيز على عدد من الملفات الأكثر حساسية للمواطن: الإسكان، والأراضي، وفرص العمل، والأسواق.
أولًا: مشكلة ندرة الأراضي الصالحة للبناء
حيث إن المحافظة شبه جزيرة محاطة بالمياه (البحر المتوسط شمالًا، وبحيرة المنزلة غربًا وجنوبًا، وقناة السويس والتفريعة شرقًا)، والنطاق العمراني محصور بينها، مما يجعل التوسع العمراني شبه مستحيل غربًا أو شرقًا دون مشروعات تنموية مصاحبة.
وقد بُنيت الغالبية العظمى من الأراضي داخل النطاق العمراني بالفعل، والمتبقي منها أراضٍ مملوكة للدولة (مشروعات إسكان، وموانئ، ومنطقة اقتصادية، وجمارك، وأمن القوات المسلحة)، أو ضمن مخططات غير مرفقة بالخدمات.
النتائج على المواطن:
أسعار الأراضي والوحدات في بورسعيد من الأعلى على مستوى مدن القناة، رغم أنها محافظة لا تُعد من المدن الكبرى؛ لأن العرض شبه معدوم.
ثانيًا: أزمة الإسكان الاجتماعي والتعاوني
هو الملف الأكثر تعقيدًا، حيث إن هناك مشروعات معلقة منذ عام 2013. فلقد تم الإعلان عن وحدات للإسكان الاجتماعي والتعاوني منذ عام 2013، دون حد أقصى أو تخطيط لهذه المشروعات وأماكنها، أو حتى إمكانية تنفيذها من عدمه، وحتى قبل صدور قانون الإسكان التعاوني وتنظيم الإسكان الاجتماعي بتنظيمه الحالي.
وقد تم دفع مقدمات حجز في مشروعات إسكان تعاوني واجتماعي مطروحة منذ ما يقارب عام 2013، وما زالت الوحدات غير مكتملة أو غير مسلّمة حتى الآن، بما يعني أن بعض الحاجزين انتظروا لأكثر من 12 عامًا دون استلام.
كما تكررت تأجيلات مواعيد التسليم بقرارات إدارية دون تعويض أو إلزام قانوني فعلي، أو بسبب قرار يصدر عن الائتمان في البنك الذي يمول الشقة تمويلًا عقاريًا.
أيضًا، نجد توقف طرح مشروعات جديدة منذ عشر سنوات، فلم تشهد المحافظة طرحًا جديًا لمشروعات إسكان اجتماعي أو تعاوني جديدة تكفي حجم الطلب منذ نحو عام 2016، رغم تراكم طلبات الحجز وقوائم الانتظار.
جدير بالذكر أن المسار البديل الوحيد الذي يلجأ إليه المواطنون من أجل حقهم في السكن هو التمويل العقاري، وهو لا يفيد محدودي الدخل في بورسعيد؛ لأن المشكلة الأساسية هي غياب الوحدات المناسبة أصلًا، وليس التمويل وحده.
تأتي أيضًا مشكلة مدينة سلام الجديدة (شرق بورسعيد)، حيث تم إطلاق «سلام» كامتداد عمراني جديد شرق المحافظة على محور قناة السويس، وشملت وحدات اجتماعية ومتميزة وأراضي طرحتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
المشروع حقًا واعد على الورق، لكنه على أرض الواقع لا يصلح للسكن الآدمي فعلًا.
حيث يعاني المشروع بُعده عن النطاق العمراني بمسافات كبيرة، ولا توجد شبكة نقل عام منتظمة وكافية، فتتحول تكلفة المواصلات اليومية إلى عبء ثابت يفوق قدرة أسرة محدودة الدخل.
أيضًا، يأتي تأخر اكتمال الخدمات من المدارس والوحدات الصحية والأسواق، حيث إنها لم تكتمل بالوتيرة المطلوبة مقارنة بالسكان المتوقعين. كما أن غياب فرص العمل داخل المدينة لافت جدًا، حيث لم تصاحب فكرة بناء المدينة أي منشآت اقتصادية توظف سكانها، فهي مسكن بلا إنتاج.
وبالتالي، فإن أي ساكن في هذه المدينة حتمًا ولا بد أن يسلك طريقًا طويلًا ليصل إلى نفق قناة السويس من بورسعيد وإليها، بما يعادل أكثر من 45 كيلومترًا يوميًا على الأقل، حتى يذهب إلى عمله أو مدرسته، وتصبح مكانًا للنوم، ويعاني كثيرًا حتى يصل إليه، دون أي وسيلة مواصلات تصلح لذلك.
كما أن السكن لا يصلح للسكن الآدمي، فالعمارات تم تسليمها بما لا يسمح لأي مواطن أن يسكن فيها، سواء من بداية مدخل العقار وسلم العقار، والخدمات جميعها لا تصلح.
فضلًا عن ضعف البنية التحتية المحيطة من الطرق والمرافق الرابطة بكوبري المحور، التي لم تكتمل بوتيرة ترضي السكان.
ثالثًا: فرص العمل
بورسعيد محافظة «تجارية» في الأساس، وتعتمد في عملها على الميناء بطبيعتها؛ لكنها شهدت تراجعًا تدريجيًا في فرص العمل التقليدية بعد ضعف دور المنطقة الحرة.
وتحول النشاط نحو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي توظف كفاءات من خارج المحافظة في قطاعات متخصصة.
والأمر نفسه بالنسبة لشركات البترول، مما أدى إلى ارتفاع البطالة والتعطل بين الشباب، خاصة حديثي التخرج، مع محدودية المصانع الكبرى.
فضلًا عن اتساع العمالة غير المنتظمة (النقل، والعمالة اليومية، والبيع المتجول) دون حماية اجتماعية.
لذا، نشأ مطلب أساسي ومتكرر لأهالي بورسعيد، وهو ضمان نسبة تشغيل محلية في مشروعات المنطقة الاقتصادية والمصانع المقامة على أرض المحافظة.
إن الدولة تبذل حقًا قصارى جهدها في سبيل تطوير البنية التحتية، وتشغيل الصناعة، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، لكن بورسعيد ذات طبيعة خاصة، وتتطلب أيضًا نظرة خاصة لأهلها البواسل، الذين لم يتخلفوا يومًا عن أي ميدان للنضال.
رئيس حزب الوعي