هيثم الحاج على

البريكس الثقافى.. الأرضية الصلبة والدور المصرى

الخميس، 17 سبتمبر 2026 04:43 م


لا يمكن قراءة النتائج والتوصيات الصادرة عن اللقاءات والاجتماعات الأخيرة لمجموعة البريكس، لا سيما في شقها المتصل باجتماعات وزراء الثقافة ومنتديات الحوار الفكري، بمعزل عن البعد الثقافي الذي يتأكد يومًا بعد يوم أنه يمثل المحرك الحقيقي والأرضية الأكثر أهمية لضمان ثبات واستمرار باقي مشروعات المجموعة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو تجارية.

لقد كشف هذا الحراك المتسارع داخل البريكس أن النجاح الاقتصادي لا يمكنه أن يكتمل أو يصمد أمام التحولات التنافسية المتزايدة في العالم، إلا إذا استند إلى رؤية ثقافية مشتركة تمنحه العمق والترابط، وتصنع مساحات حقيقية من التفاهم والتبادل بين شعوب دول المجموعة التي تمثل مجتمعة نسبة كبرى من سكان العالم وثقله الحضاري. 

ومن هنا يكتسب البعد الثقافي أهمية استثنائية بوصفه الضمانة الأساسية لاستدامة هذه التكتلات وتأمين أرضيتها التأسيسية، فالروابط الاقتصادية، على أهميتها الحاكمة، قد تعتريها تقلبات الأسواق أو حسابات المصالح المتغيرة، أما الشراكات الثقافية والفكرية ومبادرات الحوار الإنساني مثل شبكات التعاون الأدبي والسينمائي ومهرجانات الفنون المشتركة، فهي التي تؤسس لقواعد متينة من الثقة والتقارب الشرقي – الشرقي، وتوفر هذه الرؤية نمطًا متوازنًا يقدم بدائل حضارية حقيقية لقيم العولمة التي حاولت الرأسمالية الغربية إقرارها لعقود طويلة بوصفها النموذج الوحيد للثقافة الإنسانية ضمانًا لمصالحها.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري بوصفه حجر الزاوية والقاطرة الطبيعية لبناء هذا المحور الثقافي، فمصر، بحكم موقعها التاريخي والجغرافي وتراثها الممتد من التفرد، كانت وما زالت الحاضنة الممكنة والدائمة لكافة الثقافات، وهي تملك عبر تاريخها قدرة استثنائية على استيعاب الآخر، وامتصاص التنوع الثقافي، والتوفيق بين المكونات الإنسانية المختلفة دون أن تفقد طابعها الأصيل، وهو ما يجسد قوة مصر الناعمة ومركزيتها التاريخية في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي.

إن استثمار هذه اللحظة التاريخية يتطلب ترجمة التوصيات الأخيرة للمجموعة إلى خطط عمل استراتيجية ومبادرات ملموسة، تُطرح وتُدار من داخل مصر، كأن تكون المبادرة بتأسيس منصات دائمة لملتقيات الأدباء والمبدعين، ومواسم سينمائية وفنية تجمع الطاقات الإبداعية لدول البريكس على أرضها، وهو ما يمكن أن يضمن لمصر تأكيد مكانتها كمركز ثقل ثقافي وتنويري لا تنافسها فيه أي دولة أخرى داخل المجموعة.

إن البناء على ما تحقق في الاجتماعات الأخيرة لمجموعة البريكس يمثل فرصة استراتيجية يجب ألا تُهدر تحت ذرائع الانشغال بملفات أخرى، فصياغة رؤية ثقافية متكاملة تقودها مصر وتستضيف فعالياتها، هي المقوّم الكفيل بتمكين التكتل من تثبيت أركانه، وتحويل التنوع الحضاري لدوله إلى قوة تضمن توازن العالم ورسم ملامح مستقبله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة