نعيش اليوم على خريطة جيوساسية متحركة ، تتغير ملامحها باستمرار مع تغيّر موازين القوى وتشابك المصالح الدولية ، وهنا تبرز أهمية الدول القادرة على الحفاظ على توازنها وتعدد وتنوع شراكتها، وفى مقدمتها مصر.
ولولا أن مصر نجحت في النجاة من ثورات الربيع العربي والفوضى التي أصابت الشرق الأوسط من حمي الأخوان المسلمين وتوعك الميليشيات المسلحة ، وقشعريرة انقسام الجبهة الداخلية ، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ ، أن خريطة العالم كانت ستتغير جغرافيا وجيوسياسيا ، فالربيع العربي كان يأكل البلدان العربية واحدة تلو الأخرى ، أي تلاشي دول ساحل المتوسط وامتداد النفوذ الصهيوني وتحقيق حلم إسرائيل الكبري ، ذلك الحلم التلمودى الآثم الذي لا يستند إلى أي حيثية دينية ، ربما كانت منطقة الشرق الأوسط انقسمت إلى مشروع فارسي وأخر تركي وأخر صهيوني !
ولكن صمود الدولة المصرية أمام ذلك الوباء اللعين وتلك الفوضى السياسية التي كان مقصود بها تغيير الشرق الأوسط ، جعل استحالة اختلال الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل عميق.
فوجود الدولة المصرية بهذا الصمود السياسي والاقتصادي والتحرك الدبلوماسي بهذه اللياقة ، أصبح مثل حجر ميزان دولي أستطاع الأطراف الدوليين أن يعولوا عليه وكأنه مركز الدائرة الذي يتحرك حوله البرجل ليرسم دائرة كاملة ، فاستطاع الاتحاد الأوروبي أن يعول على مصر في قضايا مكافحة الإرهاب والهجرة الغير نظامية ولحلة كثير من القضايا الإقليمية مثل ليبيا واليمن ، واستطاعت الولايات المتحدة أن تعول على مصر في حل أزمة قضية غزة والتوصل إلى اتفاقية السلام في أكتوبر 2025 ، كما استطاعت دول الخليج ومجلس التعاون الخليجي أن تتخذ من مصر السند والعون واللسان الذي رفض أمام المجتمع الدولي انتهاك سيادة تلك الدول أو الزج بها في صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران .
أمّا عن الصين وآسيا فألقوا بخُطاف سفينة النمور الآسيوية على الاقتصاد المصري وعلى قدرة مصر ورؤيتها الاقتصادية بأن تفتح آفاق نور لهم في أسواق عربية وأفريقية في توقيت شديد الحساسية يعانى منه الاقتصاد العالمي من ويلات الحرب .
كما لعبت مصر دورًا هامة في حوض المتوسط وجمعت الفقراء حول مائدة الغاز، وازدهرت العلاقات من هنا بين قبرص واليونان ومصر فهم يمثلون ثلاثية رائعة.
وفى تلك الدوائر لا يمكن أن ننسى سوريا ، والتي أتمنى أن يزيد التنسيق المصري السوري لدرجة تجعل من مصر نموذجًا لها كي تخطو خطاها وتنفذ الأجندة المصرية في الاستفاقة من الأحداث السياسية التي حدثت هناك و التي تشبه ما حدث في مصر ما بين 2011 و 2013م.
أيام قليلة وستبدأ اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وأيقن أن هناك ملفات كثيرة ستُطرح على تلك المائدة الأممية الذي يريد ترامب تهميشها وكأنه يريد نظام عالمي جديد بدون أمم متحدة ولكن أيقن أيضًا أن التواجد المصري سيثقل تلك الدورة .
فالعالم انتقد خريطة ميركاتور بسبب تشوه أحجام ومساحات الدول الحقيقية ، وكأن الخرائط التي اعتاد العالم النظر من خلالها لم تعد كافية لقراءة العالم اليوم ، هكذا خريطة العالم الجيوسياسية الجديدة لابد أن يكون قلبها ومركز ثقلها الحقيقي هو مصر .