قبل 10 سنوات، كان المتقاضي أمام المحاكم الاقتصادية يعرف طريقه جيدًا: محكمة متخصصة، دوائر لنظر المنازعات الاقتصادية، وملفات وإجراءات تعتمد في جانب كبير منها على الحضور المباشر والتعامل الورقي.
اليوم، وبعد مرور عقد كامل، ما زالت المحاكم الاقتصادية الثماني موجودة في خريطة القضاء المصري، لكن ما يحدث داخلها تغير بصورة كبيرة، بعدما دخلت الرقمنة والتقاضي عن بُعد والوساطة والتحول الإلكتروني إلى صميم منظومة العمل.
هنا تظهر المفارقة التي تلخص رحلة السنوات العشر: عدد المحاكم لم يتغير .. لكن شكل التقاضي تغير.
في عام 2016، كانت المحاكم الاقتصادية الثماني تغطي دوائر اختصاص محاكم الاستئناف، وتعمل كجهة قضائية متخصصة في مجموعة من المنازعات التي حددها القانون، من بينها قضايا الشركات والمعاملات البنكية وسوق رأس المال والملكية الفكرية والاتصالات والتمويل العقاري وحماية المستهلك وغيرها.
وكان إنشاء هذا القضاء المتخصص في الأساس استجابة لتطور الحياة الاقتصادية وتشعب المعاملات التجارية، بما يتطلب وجود قضاة ودوائر أكثر تخصصًا في طبيعة هذه المنازعات.
لكن خلال السنوات التالية، لم يتغير الاقتصاد وحده، التكنولوجيا غيرت شكل الجريمة والمعاملة التجارية والنزاع القضائي أيضًا.
فلم تعد المنازعات الاقتصادية تدور فقط حول العقود والمعاملات المصرفية التقليدية، وإنما امتدت إلى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والملكية الفكرية والمعاملات الإلكترونية وغيرها من المجالات التي فرضها الاقتصاد الحديث.
ومع هذه التطورات، بدأت منظومة المحاكم الاقتصادية نفسها تدخل مرحلة جديدة.
في عام 2019، صدر القانون رقم 146 لسنة 2019 بتعديل قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية، متضمنًا تنظيم إجراءات التقاضي باستخدام الوسائل الإلكترونية، لتبدأ مرحلة جديدة لم يعد فيها تطوير القضاء مرتبطًا فقط بإنشاء المحاكم والدوائر، وإنما امتد إلى طريقة رفع الدعوى وإدارتها ومتابعتها.
من المحكمة.. إلى المنصة الإلكترونية
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت فكرة التقاضي الإلكتروني أمام المحاكم الاقتصادية إلى واقع ملموس.
وتكشف البيانات الرسمية لمنظومة التقاضي الإلكتروني عن ارتفاع أعداد الدعاوى المقامة عن بُعد بصورة متسارعة؛ فبعد تسجيل دعوى واحدة في 2021، ارتفع العدد إلى 709 دعاوى في 2022، ثم إلى 7 آلاف و688 دعوى في 2023، و15 ألفًا و462 دعوى في 2024، وصولًا إلى 33 ألفًا و533 دعوى خلال 2025.
الأرقام تعكس تحولًا لافتًا
ففي 2021 كان التقاضي عن بُعد تجربة محدودة للغاية، بينما أصبح بعد أربع سنوات مسارًا يستقبل عشرات الآلاف من الدعاوى.
وهنا لم يعد السؤال بالنسبة للمتقاضي: "أين مقر المحكمة؟"، بل أصبح: "ما الإجراءات التي يمكن إنجازها إلكترونيًا دون الذهاب إلى المحكمة؟".
ولم يتوقف التطوير عند رفع الدعوى إلكترونيًا، وإنما امتد إلى منظومة التحضير والوساطة.
فالمحاكم الاقتصادية تضم هيئات للتحضير والوساطة، تعمل على تهيئة الدعوى ومحاولة الوصول إلى تسوية ودية في الحالات التي تسمح طبيعتها بذلك، قبل استمرار الخصومة القضائية.
وخلال الفترة من أكتوبر 2024 حتى سبتمبر 2025، نجحت هيئات التحضير والوساطة بالمحاكم الاقتصادية في تسوية 512 دعوى وديًا، مقارنة بـ389 دعوى خلال الفترة السابقة، وفق البيانات الرسمية للمنظومة.
وهكذا أصبح التطوير يسير في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه:
"قضاء متخصص..إجراءات أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا..تقاضٍ عن بُعد..ووساطة قبل الوصول إلى الحكم"
ورغم أن عدد المحاكم الاقتصادية ظل ثماني محاكم، فإن المقارنة تكشف أن الرقم لم يعد هو المؤشر الأهم لقياس التطور، فالتحول الحقيقي حدث داخل المنظومة نفسها.
ففي 2026، فأصبح التخصص جزءًا من منظومة أوسع تستهدف رقمنة الإجراءات وتسهيل الوصول إلى الخدمات القضائية والتعامل مع طبيعة المنازعات التي فرضها الاقتصاد الحديث.
وبين العامين، تغيرت أيضًا علاقة المتقاضي بالمحكمة.
في السابق، كان الوصول إلى الخدمة القضائية مرتبطًا بدرجة كبيرة بالانتقال إلى مقر المحكمة، وتقديم المستندات ومتابعة الإجراءات بصورة مباشرة.
أما اليوم، فقد أصبحت التكنولوجيا جزءًا من رحلة القضية، بداية من بعض إجراءات رفع الدعوى وحتى متابعة الخدمات المرتبطة بها.
وبذلك، فإن قصة المحاكم الاقتصادية خلال السنوات العشر الماضية ليست قصة زيادة في عدد المحاكم بقدر ما هي قصة تغيير في مفهوم المحكمة نفسها.
من محكمة متخصصة تنظر نوعية محددة من القضايا، إلى منظومة قضائية متخصصة تحاول أن تواكب اقتصادًا رقميًا سريع التغير.