خرجت الولايات المتحدة نفسيًّا من المنطقة؛ وإن حافظت على وجودها المادى. تُعيد النظر للحزام العربى من زاوية جديدة، وتتحرك باتجاه أهداف واضحة، وعلى إيقاع حدّدته سلفًا.
ولا تنشغل بالتكاليف الإجمالية؛ طالما أنها لن تُخصم من حسابها الشخصى، وستتوزع على الآخرين غصبا أو اختيارا!
والغالب؛ أن مراكز الإقليم الكبرى قرأت المقدمات، وتتحسس مواضع أقدامها فى المآلات.
إيران تتصلّب لكى لا تخلى مساحة حيوية بالنسبة لها، سيكون البقاء فيها سهلا إن حافظت عليه، ومستحيلا إن ضيعتها فى المنازلة الراهنة.
دول الاعتدال على قلب راجل واحد؛ غير أن فريقا منها يُراقب الدراما من وراء شاشة زجاجية، فيما الآخر منقوع فى قلب الأحداث الساخنة. سواء اختار ذلك بإرادته سابقا، أو أُجبر عليه لسبب أو آخر.
وأقلّ الأسباب تعقيدات المعركة الأخيرة، وأضخمها أطماع الفرس ورخاء العرب، وميراث العداوة والمذهبية وضغائن التاريخ القريب والبعيد.
دقّت واشنطن طبول الحرب عن غير احتياج أو ضرورة. نجح نتنياهو فى إغراء ترامب؛ فتوريطه فى مغامرة غير محسوبة على الإطلاق.
والوقت لعنة فى البلدان التى يحكمها بشر، ولا تتأبد السلطة فيها لعمامة تنوب عن إمام ينوب عن السماء؛ لا سيما إن كانت الانتخابات على الأبواب.
غاية الأمريكيين اليوم أن يفتحوا مضيق هرمز؛ ولم يكن مغلقا أصلا قبل فبراير، ولا كان موضوعا للنزاع، أو فكّر الملالى وجنرالاتهم فى التجرؤ عليه.
كما ينشغلون أيضا بألا يُغلق باب المندب؛ ولو تقبلوا استعراض القوة فيه على مضض، وضحوا بمصالح حليف فيه أو شريك.
لم تبرُد الأجواء فى الإقليم منذ ثلاث سنوات؛ لكنها تتأجج بوتيرة أعلى على فواصل متقاربة.
ومُؤخّرًا تطاير الشرر عند الخليج وعلى ساحل اليمن، وتفاوت التعاطى من جهة الولايات المتحدة؛ إنما ظل دون السقف المتوقع فى الحالين.
تداولت الصحافة الأمريكية أنه يكتفى بالحصار شمالا، ولا يريد أن ينخرط فى جولة جديدة تضغط على حزبه فى السباق.
مع الإشارة إلى أنه يحشد قواه للتصعيد بعد نوفمبر، فلن يستهلك طاقته الآن، وسيعمل على خلق سياق من الغموض، يمنحه فاعلية المبادأة من جديد.
وإلى ذلك؛ فقد نُشر أيضا هناك أنه لا ينظر إلى الجبهة اليمنية، ولا يفكر فى التدخل لإبقاء باب المندب مفتوحا، وزاد أكسيوس بالإشارة إلى أنه رفض مطالب صريحة من شركاء إقليميين فى هذا الشأن.
وإذ يُقرَأ المشهد على معنى احترام صفقته السابقة مع الحوثى؛ فالتأويل يحتمل الخشية من الجماعة ومستنقعها، أو تبريد نقاط التماس مع الإيرانيين.
وأخيرا والأخطر؛ أنه ربما يبتزّ المنطقة، ويسعى إلى توجيه بعض قواها المُوسرة أو الفاعلة فى مساراتٍ سياسية بعينها، ولعلّه يستهدف مَنحَ إسرائيل ورقةً تُعزِّز حضورها على لائحة الخيارات الطبيعية.
يستفيض ترامب فى أحاديث النصر، ويستطلع نائبه جى دى فانس سرًّا، موقف الحرب الحقيقى من الخبراء والجنرالات. والجميع محشورون فى مواجهة لا يريدونها؛ حتى أنهم يلتمسون الأعذار فيها للعدوّ.
حقّقت «نيويورك تايمز» فى انفجار التهدئة السابقة بموجب إسلام آباد، وتوصّلت إلى أن الإجهاز عليها بعمليات خشنة تجاه بعض السفن فى المضيق، جرى من وراء ظهر الجيش وحرس الثورة.
والأهم أن الخطوة الانتحارية المجنونة كانت بدون قرار من القيادة: السياسية عند بزشكيان، والروحية المُطلقة فى خلوة مُجتبى؛ إن كان حيًّا أو له من الأمر شيئًا أصلاً!
وأحالت الصحيفة المسألة إلى الخلافات البينية، وتعدُّد الرؤوس ومراكز القوى؛ ثم ألقت التهمة على عاتق حسين طائب، باعتبار أن الضربة نفذتها إحدى المجموعات المقربة منه.
المذكور كان قائدًا لاستخبارات الحرس، ومؤخّرًا كلّفه المُرشد بقيادة قوات الباسيج. فيما يصلح للتفسير بأنه إبعاد عن الأذرع المُنفلتة؛ أو تصعيد لأدوار أكبر، وأكثر اتصالاً بشجون الواقع ومخاطر الشارع!
وليس شرطًا أن يكون كلام الصحافة الأمريكية دقيقا؛ على أنه ربما يتعزّز بإبداء رئيس الجمهورية الإيرانية ضيقه كثيرًا.
فضلاً على تداول أخبار بالفارسية عن تلويحه بالاستقالة عِدّة مرّات، وعن أن حلقة القيادة العُليا تتداول شكوكًا، مُتكررة ومُتزايدة، بشأن التوجيهات المنسوبة إلى المُرشد الأعلى.
يعرف الناظر من بعيدٍ كلَّ شىء عن واشنطن، ما على السطح، وربما بعض الخفىّ أيضًا. ولا يعرف الإيرانيون أنفسهم؛ حتى الذين فى دوائر السلطة، شيئا تقريبًا عن كهف الأسرار، ومنطق الإدارة فى زمن الغيبة.
لم يعُد النظام دينيًّا خالصًا، ولا تيسّرت للحرس عسكرته بالكامل حتى الآن. وفيما يُرجَّح أنه يُرخى حبل الزمن، ويُراهن على استنزاف الخصم، فلا يخلو المجال من ارتياب بشأن الاستراتيجية، والوفاق على رؤية واحدة، وأن طهران تُفكر على الموجة نفسها، وتتكلّم بلسانٍ واحد.
ولعلّها لُعبة توزيع الأدوار التى أتقنوها، أو أنها خلافات عميقة فعلاً، يعجزون عن تسويتها أو تحييد آثارها. بينما أطبقت الأزمة بأثقالها على البلد وامتداداته، وصار مكشوفا من كل زاوية، ومُرتبكًا أيضًا.
يقبض على لجام حزب الله فى لبنان؛ لكنه يُجبره على إخلاء مواقعه، وآخرها مرتفعات علىّ الطاهر. يُحرّك ميليشيات العراق ضد السعودية، ويتعثّر فى إدارة خلاف «حصر السلاح» مع الحكومة.
وبينما نُحِّيَت ورقة الحوثيين طويلاً، فقد عادوا لاستخدامها مُضطرّين الآن، بعدما تضاءل تأثير التحرّش بالملاحة فى هُرمز، وازدادت الحاجة إلى إعادة تسعير المخاطر، ورفع أكلافها؛ طمعًا فى تأثير آخير على الناخبين فى الولايات المتحدة وإسرائيل.
قد يعود ترامب للقتال مُضطرًّا؛ لكنه لن يعود للمنطقة كما كان وضع الولايات المتحدة فيها سابقا.
أعاد ترسيم حضوره فى سوريا، بالانسحاب والتخلّى عن الأكراد. يُغادر بلاد الرافدين، ويُحجّم التزاماته تجاه الخليج والأردن، ويصمت على استعراض القوّة وإرباك الأمن والتوازانات من إيران وميليشياتها.
النتيجة الحتمية أن تتبدّل المُعادلات، بمُبادرة أو بطاقة الإزاحة وأثر الوقت. ستتوصل المنطقة إلى ترتيبات سياسية وأمنية، بين المُمانَعة والاعتدال، وداخل كل تيّار.
والصورة النهائية مُرتبطة بكفاءة الاتصال، وسعة الصدر، وحدود الإقبال والإدبار على الطاولة المُشتركة، وابتكار البدائل بينيًّا، بدل استيرادها من خارجٍ قريبٍ أو بعيد.
تدفع المنطقة فاتورة الانتظار؛ وأنها لم تُبادر إلى الاتفاق على استراتيجية واحدة، وتنسيق التكتيكات معًا.
فيما يدفع المُتحاربون فواتير إقامتهم فى الماضى، وعدم قدرتهم على استيعاب الحاضر. وكلا الفريقين ينشغل بمنع ما لا يريده، أكثر من بحثه عمّا يريد، والتركيز على إنتاج مواءمات صالحة للاتفاق والاستدامة.
عندما تطول الحروب؛ فالطرفان على خطأ، كما قال الفرنسى لاروشفوكو. وعندما يجهلان الصواب أو يتعثران فيه ويتعاليان؛ فلن تنطفئ النار إلا لتشتعل، والذكى من ينجو بنفسه ويُبقى دارَه بمأمن من الشرر.