بين سكون الجبل الشرقي في قرية «دير أبو حنس» بمركز ملوي وعراقة أطلال مدينة «أنصنا» القديمة، رسمت خطوات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، المشهد الأول لزيارته التاريخية لإيبارشية ملوى وأنصنا والأشمونين؛ حيث اختار قداسته «دير البتول للراهبات» ليكون مستهل جولته الرعوية، في صورة تجسد التلاحم بين الماضي الأثري الخالد والنهضة الكنسية الحديثة.
استقبال دافئ في محطة من نور
مع وصول البابا تواضروس الثاني إلى دير البتول، امتزجت ألحان الاستقبال ودقات الأجراس بمشاعر البهجة والترقب التي سيطرت على الإيبارشية؛ حيث كان في استقباله نيافة الأنبا ديمتريوس مطران ملوي ورئيس الدير، إلى جانب مجمع الراهبات وشعب المنطقة. ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة في جدول أعمال البابا، بل جاءت امتداداً لرعايته الأبوية الممتدة لهذا الدير منذ عقود، وتأكيداً على المكانة الروحية والتاريخية الاستثنائية التي تحتلها هذه المنطقة في قلب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
أصداء أنصنا القديمة وبركة العائلة المقدسة
تستمد هذه المحطة البابوية ثقلها التاريخي من الموقع الجغرافي الفريد لمقر الدير المتاخم لمدينة «أنصنا» القديمة (أنتينوبوليس)؛ تلك البقعة التي شهدت ازدهاراً رهبانياً كبيراً منذ القرون الأولى، وذكر المؤرخ «بلاديوس» في القرن الخامس أنها كانت تحتضن نحو 12 ديراً للراهبات، قبل أن يشار إليها مجدداً في مدونات المؤرخ «ياقوت الحموي» خلال القرن الثالث عشر.
وترتبط الأرض التي وطأتها أقدام قداسة البابا بمسار رحلة العائلة المقدسة؛ حيث تتبارك المنطقة بشواهد تاريخية خالدة مثل «بئر السحابة» وموقع «كوم ماريا»، لتظل الذاكرة الإيمانية حية في هذا الموضع رغم تهدم الدير القديم عبر القرون وتحوله إلى أطلال.
رحلة إحياء الرهبنة ورعاية البابا تواضروس
تأتي زيارة قداسة البابا تواضروس لتسلط الضوء على قصة نجاح إيمانية بدأت نواتها الأولى في 22 أكتوبر 1997م بكنيسة مارمينا بالقرية، قبل أن يشرع الدير في الانتقال إلى موقعه الحالي عام 2009م أمام الكنيسة الأثرية للقديس قلتة الطبيب المنحوتة في أعالي الجبل.
وقد لعب قداسة البابا دوراً محورياً في تاريخ الدير الحديث، بداية من اعتراف المجمع المقدس بالدير رسمياً برئاسته في 21 نوفمبر 2013م، مروراً بقيام قداسته برهبنة الدفعة الأولى من الراهبات (17 راهبة) عام 2014م، والدفعة الثانية عام 2017م بالمقر البابوي. وتأتي زيارة قداسته الحالية لتبارك ثمار هذه الرعاية؛ حيث بات الدير يضم اليوم 28 راهبة و5 طالبات رهبنة يحيين التراث الروحي بالصلاة والعمل اليدوي والتسبيح.
واحة إيمانية بين الجبل والوادى
خلال جولته بالدير، تفقد قداسة البابا تواضروس معالم هذا الصرح الذي يوازن في تصميمه المعماري والروحي بين خدمة الشعب وحياة العزلة للراهبات؛ إذ يضم كنائس مفتوحة للمصلين والزوار مثل الكنيسة الأثرية بأعلى الجبل وكنيسة القديس الأنبا شنودة والشهيد قلتة الطبيب، إلى جانب كنائس مخصصة لصلوات مجمع الراهبات ككنيسة السيدة العذراء وكنيسة القديسين الأنبا بيشوي والأنبا بيشوي كامل. لتنطلق بذلك زيارة البابا تواضروس الثاني لإيبارشية ملوي من قلب هذه الواحة الروحية، معلنة بداية جولة حافلة تعيد رسم الخريطة الدينية والتاريخية في صعيد مصر.