حين تحتفل مصر بمولد السيدة فاطمة النبوية، فإنها لا تحتفل باسمٍ عابر في صفحات التاريخ، ولا تستحضر ذكرى امرأة من نساء آل البيت فحسب؛ وإنما تفتح للقلوب بابًا من أبواب المحبة النبوية، وتستعيد سيرة بيتٍ طاب أصله، وشرف نسبه، وامتد أثره في الأمة علمًا وفضلًا ومكارم أخلاق. وفي هذه الأيام يعيش أهل مصر أجواء الاحتفال بمولد السيدة فاطمة النبوية بنت الإمام الحسين ابن علي رضي الله عنهما، سليلة آل البيت، وابنة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيتجدد في القلوب معنى المحبة التي عرفها المصريون لأهل بيت نبيهم، محبةً امتزجت عندهم بالوفاء والتوقير والاحتفاء.
وفاطمة النبوية ليست مجرد اسم كريم في سلسلة النسب الشريف؛ إنها صفحة مضيئة من صفحات البيت الحسيني، اجتمع في سيرتها شرف النسب، وكرامة المصاهرة، وحضور العلم، ورواية الحديث. فهي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين. وقد ذكر الإمام المزي أنها روت عن أبيها الحسين بن علي، وعن عبد الله بن عباس، وعن أخيها علي بن الحسين، وعن أسماء بنت عميس، وعن عمتها زينب بنت علي، وعن عائشة أم المؤمنين، وعن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرسلًا.
ولم تكن فاطمة النبوية ناقلةً للعلم فحسب، بل كان لها تلاميذ من أهل بيتها وغيرهم؛ فقد ذكر المزي ممن روى عنها أبناءها إبراهيم ابن حسن بن حسن، وحسن ابن حسن، وعبد الله بن حسن، ومحمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان المعروف بالديباج، وغيرهم.
وأثبتها ابن حبان في كتابه «الثقات»، فقال في ترجمتها: «فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، تروي عن أسماء بنت عميس، روى عنها موسى الجهني، ماتت وقد قاربت التسعين سنة».
وهكذا تبدو فاطمة النبوية في كتب الرجال امرأةً حاضرة في المشهد العلمي، لا مجرد شخصية نسبية؛ فقد حفظت شيئًا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحملت الرواية عن أهل بيتها وعن عدد من الصحابة، ثم نقل عنها أبناؤها وغيرهم، فكان بيتها نفسه امتدادًا من امتدادات العلم.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في الحسين رضي الله عنه: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ»، فقد روى الترمذي الحديث في «جامعه»، وقال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث حسن».
وفاطمة النبوية هي ابنة هذا الحسين؛ ومن ثم كان نسبها متصلًا بالإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما من جهة أبيها. وقد أثبت المزي نسبها إلى الحسين وعلي ابن أبي طالب، وذكر أنها أخت الإمام علي بن الحسين زين العابدين.
وقد شاء الله أن تتصل حياتها بأسرة الحسن كما اتصلت بأسرة الحسين؛ فتزوجها ابن عمها الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وذكرت المصادر أنها كانت ابنة أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأن الحسن بن الحسن تزوجها، فولدت له عبد الله وإبراهيم وحسنًا وزينب.
وهنا تتجلى روعة هذا النسب؛ ففاطمة ابنة الحسين من جهة أبيها، وزوجها الحسن بن الحسن من ذرية الحسن ابن علي من جهة أبيه، فاجتمع في بيتها الحسني والحسيني، والتقى فرعا سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أسرة واحدة.
ولم يكن هذا الاتصال مجرد تشابك في شجرة النسب، بل كان وراءه امتداد علمي أيضًا؛ فقد كان من أبنائها عبد الله بن الحسن ابن الحسن، الذي تذكر كتب التاريخ والتراجم مكانته في العلم والعبادة، وهو مما يبرز أن البيوت الشريفة إنما يزداد شرفها بما تحمل من علم وصلاح وعمل، لا بمجرد النسب.
ثم مات عنها زوجها الحسن ابن الحسن، فتزوجت بعده عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفان، وولدت له القاسم ومحمدًا، المعروف بالديباج. وقد نص المزي على ذلك صراحة، وقال: «فخلف عليها عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، فولدت له القاسم ومحمدًا وهو الديباج، سمي الديباج لجماله ورقته».
وهذا من أجمل ما في سيرتها؛ إذ تكشف لنا أن المصاهرة في ذلك المجتمع كانت تمتد بين البيوت الكريمة، وأن الروابط الأسرية لم تكن محصورة في فرع واحد، بل كانت تتسع لتجمع بيوتًا عريقة في قريش، في ظل مجتمع تتداخل فيه الأنساب بالمصاهرة والعلم والمكانة الاجتماعية.
وفاطمة النبوية بهذا كله ليست امرأةً تُقرأ سيرتها في كتب الأنساب وحدها؛ فهي راوية حديث، وأم، وزوجة، وابنة إمام من أئمة أهل البيت، وقد حفظت كتب الرجال جانبًا من صلتها بالعلم والرواية.
وقد ذكر المزي أسماء شيوخها وتلاميذها، وأثبت رواية أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عنها.
ومن هنا فإن سيرتها تقدم للمرأة المسلمة معنى بديعًا: أن البيت لا يكون حجابًا عن العلم، وأن الأمومة لا تعني الانقطاع عن المعرفة، وأن المرأة تستطيع أن تجمع بين رسالتها في الأسرة ورسالتها في العلم والتربية وحفظ التراث.
وقد ذكر المزي أن فاطمة كانت فيمن قدم دمشق بعد قتل أبيها الحسين رضي الله عنه، ثم خرجت إلى المدينة.
وهذا الخبر الموجز يحمل في طياته تاريخًا من الألم والصبر؛ فهي ابنة رجل شهدت الأمة مصابه، ثم واصلت حياتها، وحملت علم بيتها، وبقي أثرها في ذريتها وروايتها.
وليس المقصود من استحضار هذه الصفحة المؤلمة من التاريخ أن نعيد فتح الجراح، وإنما أن نتعلم منها كيف يتحول الألم في حياة الصالحين إلى صبر، وكيف تبقى الرسالة أكبر من المحنة، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل ذاكرته دون أن يجعلها سببًا في هدم حاضر الأمة ومستقبلها.
وهنا ينبغي أن نفهم محبة أهل البيت في ميزانها الصحيح: محبة صادقة لا غلو فيها، وتوقير عظيم لا يخرج إلى التقديس، ووفاء للنسب الشريف لا يتحول إلى عصبية. فمحبة أهل البيت من أجلِّ معاني الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكنها محبة يزينها العلم، ويحكمها الشرع، ويمنعها من الغلو والجفاء.
ومصر، وهي تحتفي بمولد السيدة فاطمة النبوية، إنما تستعيد لونًا أصيلًا من ألوان وجدانها الديني؛ فحب أهل البيت حاضر في الذاكرة المصرية، ومجالس ذكرهم ومناسباتهم جزء من الحياة الدينية والاجتماعية التي عرفها المصريون عبر أجيال متعاقبة.
غير أن أجمل ما يمكن أن نهديه إلى فاطمة النبوية في مولدها ألا نقف عند الاحتفال بالمولد، وإنما أن نقرأ الرسالة التي تحملها سيرتها: أن الأسرة موطن للوفاء، وأن المرأة قادرة على الجمع بين العلم والأسرة، وأن النسب الشريف أمانة، وأن المحبة الحقيقية ليست مجرد عاطفة، وإنما معرفة وأدب وسلوك.
إن فاطمة النبوية تعلمنا أن البيت الذي يخرج منه العلم ليس أقل شأنًا من المجلس الذي يُدرَّس فيه العلم؛ فقد كانت أمًا، وكانت راوية، وكان أبناؤها ممن نقلوا عنها، وقد حفظ المزي أسماء عدد منهم في ترجمتها.
وتعلمنا كذلك أن شرف المرأة لا يختزل في نسبها، مهما علا، بل يكتمل بما تتركه من أثر؛ ولذلك لم تحفظ لنا كتب الرجال اسم فاطمة النبوية لأنها ابنة الحسين فحسب، بل حفظت روايتها، وشيوخها، وتلاميذها، وأبناءها، وأخبار حياتها. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يصل إلى بناتنا اليوم: أن الإنسان قد يرث شرف النسب، لكنه لا يرث شرف العمل إلا إذا حمله بنفسه.
ولعل من أجمل المعاني في سيرتها أن الحسني والحسيني التقيا في بيت واحد، وأن ذرية الحسن وذرية الحسين لم تكن في التاريخ الإسلامي عالمين متخاصمين كما قد يتوهم بعض الناس، وإنما كانت بين البيوت مصاهرات وصلات وأرحام ومجالس علم وحياة مشتركة.
ففاطمة النبوية، في مولدها، ليست ذكرى امرأة من الماضي فحسب؛ إنها نافذة نطل منها على بيت الحسين، وعلى امتداد آل البيت في الأمة، وعلى صورة المرأة التي جمعت بين النسب والعلم والأسرة، وعلى معنى المحبة حين تتحول من عاطفة إلى معرفة، ومن معرفة إلى أدب، ومن أدب إلى عمل.
وهكذا ينبغي أن يكون مولدها في مصر: مناسبةً للذكر والمحبة، ولتعريف الأجيال بأهل البيت، ولتعليم الأبناء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك في الأمة محبةً لآله وأهل بيته، وأن الوفاء لهم يكون بحفظ سيرتهم، ومعرفة قدرهم، والاقتداء بصالح ما ثبت عنهم .
فطوبى لمصر وهي تذكر أهل البيت، وطوبى للقلوب التي تعرف قدرهم من غير غلو، وتحفظ محبتهم من غير تعصب، وتقرأ سيرتهم بعين العلم وقلب المحبة.
وطوبى لفاطمة النبوية في يوم مولدها، وهي تُذكر ابنةً للحسين، وزوجةً للحسن، ثم زوجةً لعبد الله بن عمرو بن عثمان، وأمًّا لأبناء امتد بهم النسب بين البيوت الكريمة، وراويةً من راويات الحديث، وامرأةً تركت في سجل آل البيت صفحةً لا ينبغي أن تُقرأ بالعين وحدها، بل بالقلب أيضًا.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الحسين بن علي وعن ذريته وأهل بيته، واجعل محبتهم في قلوبنا محبةً تهدينا إلى الخير، وتجمعنا على الحق، ولا تجعلها سببًا لفرقة أو خصومة، وبارك لمصر وأهلها، وأدم عليها الأمن والمحبة، واجعل مجالس ذكر أهل البيت مجالس علم ورحمة وألفة، إنك ولي ذلك والقادر عليه.