منذ أن عرف الإنسان السياسة، لم تكن المعركة فقط على امتلاك السلطة، وإنما أيضًا على امتلاك القدرة على تعريف الواقع وتشكيل الرواية التي يصدقها الناس. فالقوة لا تحتاج دائمًا إلى أن تمنع الحقيقة؛ أحيانًا يكفي أن تملك المنبر الذي يحدد أي رواية تصل إلى الناس، وأي رواية تختفي في الزحام.
واليوم، تبدلت قواعد اللعبة. لم تعد الحقيقة حكرًا على كتاب أو صحيفة أو شاشة، ولم يعد الوصول إلى المعلومة يحتاج بالضرورة إلى البحث عنها. نحن نعيش في زمن تأتي فيه المعلومة إلينا قبل أن نطلبها، وتظهر أمامنا في صورة خبر أو فيديو أو منشور أو «ترند»، ومع تكرارها وانتشارها قد تتحول الرواية إلى حقيقة في الوعي العام، حتى وإن كانت بعيدة عن الحقيقة في الواقع.
وهنا يظهر مفهوم «ما بعد الحقيقة»، حيث لا تصبح الوقائع وحدها صاحبة التأثير، بل المشاعر والانطباعات، وقدرة الرواية على الانتشار وإثارة التفاعل.
والأكثر إثارة للقلق أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية؛ فهي تشارك، بشكل غير مباشر، في تشكيل ما نراه وما لا نراه، وما نسمعه وما لا يصل إلينا. ومع كل نقرة وإعجاب ومشاركة، تتعلم المنصات كيف تقدم لنا عالمًا يشبه أفكارنا ومعتقداتنا.
فهل نحن نختار ما نراه فعلًا؟ أم أن ما نراه هو ما تم اختياره لنا؟
هنا تصبح معركة الحقيقة معركة على الوعي، لأن من يستطيع تشكيل وعي الناس، يستطيع إلى حد كبير التأثير في مواقفهم واختياراتهم واتجاهاتهم.
لكن الحقيقة في المجتمع لا ينبغي أن تكون ملكًا للسلطة، ولا للإعلام، ولا للأغلبية، ولا للمنصات الرقمية. الحقيقة مسؤولية مشتركة، وحق أصيل للمواطن، تبدأ بإتاحة المعلومات الموثوقة، وتستكمل بامتلاك الإنسان القدرة على التفكير النقدي، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الاختلاف والتضليل.
ففي زمن أصبح فيه نشر المعلومة أسهل من التحقق منها، لم تعد المشكلة فيمن يملك المعلومة فقط، بل في من يملك القدرة على منحها شرعية التصديق.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نصدق أي رواية:
هل نحن نبحث عن الحقيقة فعلًا… أم نبحث فقط عما يؤكد ما نريد أن نصدقه؟
لأن أخطر أشكال القوة ليست دائمًا أن تفرض على الناس ما يفعلونه، وإنما أن تجعلهم يرون العالم بالطريقة التي تريدها.