أحمد يحيى

مصر في البريكس.. من عضوية التكتل إلى صناعة المساحة

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 04:30 م


يبدو أن انتهاء قمة بريكس في نيودلهي لا يعني انتهاء الأسئلة التي طرحتها المشاركة المصرية فيها، بل ربما يكون هو اللحظة المناسبة لبدء قراءة ما جرى بعيدًا عن زحام الأخبار والتصريحات. فقد كانت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي على مدار يومين حافلة بالرسائل السياسية والاقتصادية، من خلال كلمتيه أمام قادة دول بريكس، واللقاءات الثنائية التي أجراها على هامش القمة، وما طرحه من رؤى تتصل بمستقبل التعاون بين دول التجمع ودور مصر فيه.


ومن هنا، فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية بعد انتهاء القمة ليس فقط: ماذا قالت مصر في بريكس؟ وإنما: ماذا تريد مصر أن تصنع من عضويتها في هذا التكتل؟


فالقمة انتهت، وعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أرض الوطن، لكن المشاركة المصرية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها محطة بروتوكولية انتهت بانتهاء الاجتماعات؛ وإنما باعتبارها جزءًا من مسار أوسع تسعى من خلاله القاهرة إلى توسيع دوائر الحركة أمامها في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا بصورة متسارعة.


ومن وجهة نظري، فإن قراءة المشاركة المصرية تحتاج إلى الابتعاد قليلًا عن فكرة «العضوية» باعتبارها مجرد انضمام إلى تجمع دولي كبير، والنظر إليها باعتبارها مساحة جديدة للحركة المصرية، يمكن أن تتحول مع الوقت إلى فرص حقيقية في التجارة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا، فضلًا عن مساحة سياسية أوسع للحضور والتأثير.


وقد نتفق مع بعض التحليلات التي ذهبت إلى أن بريكس يمثل فرصة لمصر لتوسيع خياراتها الاقتصادية والتمويلية، وتنويع الشراكات والأسواق، وتعزيز حضورها داخل دول الجنوب. لكنني أختلف مع تحليلات أخرى قد تذهب إلى أن بريكس يمكن أن يصبح بديلًا عن علاقات مصر الدولية الأخرى؛ فالأقرب إلى الواقع، في رأيي، أن القاهرة تتعامل معه كإضافة إلى أدواتها ومساحات حركتها، وليس كاختيار صفري بين هذا الطرف أو ذاك.


واللافت عند قراءة كلمتي الرئيس في القمة أن هذه الرؤية تبدو حاضرة بوضوح.


ففي اليوم الأول، تحدث الرئيس عن ضرورة ترجمة التعاون إلى أدوات تنفيذية وعملية، وربط بين الأمن والتنمية والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وتوقف عند إصلاح النظام المالي الدولي ودور بنك التنمية الجديد، كما وضع الموقع المصري في قلب معادلة التجارة واللوجستيات والربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.


وفي اليوم الثاني، بدا الخطاب أكثر اقترابًا من المستقبل؛ الابتكار، والذكاء الاصطناعي، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، والاستثمار في الإنسان، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية، والنقل واللوجستيات. وهي ملفات تقول شيئًا مهمًا عن الاتجاه الذي يمكن أن تتحرك فيه مصر داخل بريكس: من مجرد المشاركة في صياغة المواقف إلى البحث عن مجالات قابلة للتحول إلى تعاون ومشروعات.


وهنا تحديدًا تبدأ «صناعة المساحة».
فمصر لا تملك فقط عضوية في تجمع يضم قوى اقتصادية وسياسية كبيرة، وإنما تملك مجموعة من عناصر القوة التي يمكن توظيفها داخل هذه المساحة: موقع جغرافي يربط ثلاث قارات، قناة السويس، مناطق صناعية ولوجستية، اتفاقات تجارية، سوق كبيرة، وقاعدة بشرية، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات مع قوى دولية متعددة.
ولعل لقاء الرئيس السيسي برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يقدم مثالًا عمليًا على ذلك. فالحديث لم يتوقف عند العلاقات السياسية، وإنما تناول هدفًا لرفع حجم التجارة بين البلدين إلى 12 مليار دولار، وزيادة الاستثمارات الهندية في مصر، خاصة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والسيارات، إلى جانب الهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الدوائية.
وهنا قد نختلف مع بعض القراءات التي تقيس نجاح القمة بعدد الاتفاقات التي أُعلنت أو بحجم العبارات السياسية التي وردت في البيان الختامي. في رأيي، الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد عودة القادة إلى عواصمهم: هل تتحول هذه المساحات إلى استثمارات؟ هل تزيد التجارة؟ هل تدخل التكنولوجيا إلى خطوط الإنتاج؟ هل يستفيد القطاع الخاص؟ وهل يصبح بنك التنمية الجديد مصدرًا فعليًا لتمويل مشروعات تحتاجها الدول النامية؟
وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية؛ لأن عضوية مصر في بريكس تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بالفعل نموًا ملحوظًا. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس من نحو 45 مليار دولار في 2024 إلى 53.5 مليار دولار في 2025، كما سجل النصف الأول من عام 2026 نموًا جديدًا. وهذه أرقام مهمة، لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن كل هذا النمو نتج عن عضوية بريكس؛ وإنما تعطي مؤشرًا على حجم السوق والفرص المتاحة التي يمكن البناء عليها.
أما سياسيًا، فالصورة أكثر تعقيدًا.
فبريكس ليس تحالفًا متجانسًا، ولا يجمع دولًا متطابقة في الرؤى والمصالح. داخله قوى كبرى بينها تنافس، ودول تختلف مواقفها تجاه قضايا إقليمية ودولية شديدة الحساسية. ومع ذلك، استطاع التجمع أن يحافظ على مساحة للتنسيق، وأن يخرج بإعلان مشترك في قمة شهدت ملفات إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
وهذا في حد ذاته يعكس طبيعة بريكس الجديدة: ليس كتلة مغلقة ذات موقف واحد، وإنما مساحة تفاوض وتنسيق بين دول لديها مصالح مشتركة واختلافات في الوقت نفسه.
ومن هنا أفهم إعلان الرئيس السيسي تطلع مصر إلى تولي رئاسة بريكس في المستقبل القريب؛ فالأمر لا يتعلق فقط بشرف رئاسة تجمع دولي، وإنما بما يمكن أن تمنحه الرئاسة من قدرة أكبر على طرح أولويات مصر والدول النامية، والمساهمة في تحويلها إلى أجندة عمل.
وقد نتفق مع التحليلات التي ترى في ذلك انعكاسًا لتزايد الدور المصري داخل التجمع، لكنني أعتقد أن الأهم من موقع الرئاسة نفسه هو ما الذي ستفعله مصر بهذا الموقع إذا تحقق؛ فالمواقع الدولية قيمتها في قدرتها على إنتاج نتائج، لا في رمزية شغلها فقط.
كما أن لقاءات الرئيس على هامش القمة، سواء مع رئيس الوزراء الهندي أو الرئيس الروسي وغيرهما، تكشف أن بريكس بالنسبة إلى مصر لا يعمل بمعزل عن العلاقات الثنائية، بل يمكن أن يكون منصة إضافية لتطويرها. وهذه ربما واحدة من أهم مزايا العضوية: أن تلتقي المصالح الثنائية مع إطار متعدد الأطراف يوفر مساحة أوسع للحوار والتعاون.
وفي رأيي، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله مصر خلال المرحلة المقبلة هو ألا تتعامل مع بريكس باعتباره إنجازًا اكتمل بمجرد العضوية، بل باعتباره مساحة لم تُستثمر بالكامل بعد.
مساحة للتجارة.
ومساحة للاستثمار.
ومساحة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ومساحة للتمويل والتنمية.
ومساحة سياسية أوسع لدولة تعرف كيف تحافظ على علاقاتها المتنوعة، دون أن تجعل الانفتاح على طرف إغلاقًا لباب مع طرف آخر.
لذلك ربما لا يكون السؤال فقط: ماذا أعطى بريكس لمصر؟
بل السؤال الأدق: ماذا تستطيع مصر أن تصنع من المساحة التي أتاحها لها بريكس؟
وهنا فقط يمكن أن نعرف، بعد سنوات وليس بعد قمة واحدة، ما إذا كانت عضوية مصر في بريكس قد أصبحت مجرد عضوية في تكتل دولي، أم تحولت بالفعل إلى أداة لصناعة مساحة أكبر لمصر في عالم جديد.




قمة بريكس

ما هي مجموعة البريكس

ما هو البريكس

دول البريكس

أعضاء البريكس

أهداف البريكس

أهمية قمة البريكس

تاريخ مجموعة البريكس

دول بريكس الجديدة

توسع البريكس

بريكس بلس

دور البريكس في الاقتصاد العالمي

مصر في مجموعة البريكس

فوائد انضمام مصر للبريكس

عملة البريكس

مستقبل البريكس

الفرق بين البريكس ومجموعة السبع

قمة البريكس اليوم

أخبار قمة البريكس

قمة البريكس 2026

آخر أخبار البريكس

قرارات قمة البريكس

نتائج قمة البريكس

اجتماع قادة البريكس

الرئيس السيسي وقمة البريكس

مشاركة مصر في قمة البريكس

كلمة الرئيس السيسي في قمة البريكس

قادة البريكس

بيان قمة البريكس

موعد قمة البريكس

القمة المقبلة للبريكس

أبرز قرارات البريكس

اجتماعات البريكس

التجارة بين دول البريكس

الاستثمار في دول البريكس

اقتصاد البريكس

عملة البريكس الجديدة

التعامل بالعملات المحلية

الدولار والبريكس

البريكس والاستثمار

فرص الاستثمار في دول البريكس

الصادرات المصرية لدول البريكس

التجارة المصرية مع البريكس

البنوك والبريكس

تمويل مشروعات البريكس

الاستثمار الأجنبي في دول البريكس

أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة