الذين لا يقرأون التاريخ محكومون بتكراره، يقول جورج سانتابانا، ويفعل العرب.. وعبء الفهم قد يمنع كثيرين من الاعتبار فى المُلِمَّات، وكثيرًا ما تمنعهم المُكابرة، وتأخذهم العِزّة بالإثم!
تُسمَع سنابكُ الخيل على الطريق قبل أن يأتى الغُزاة، على أن بعض الضحايا يجعلون أصابعهم فى آذانهم ويستغشون ثيابهم: غزو الفُرس والعثمانيين، وبينهما الرومان والمغول والصليبيون، وغيرهم ممّن قطعوا المنطقة طولاً وعرضًا.
وقف «توفيق» كالطاووس صارخًا فى عرابى: «ما أنتم إلا عبيد إحساناتنا». ردّ الأخيرُ بالجُملة الشهيرة، وفى نسبتها وتفاصيل الواقعة كما عُرِضَت علينا شَكُّ، لكنها ليست موضوعنا هُنا.
كانت طلائع الاحتلال على الأبواب، وروائحه فى الأنوف.. استُدرِجَ الخديو إسماعيل بالديون، ثمّ أُجبِرَ على تعيين وزيرين أجنبيَّيْن: بريطانى للمالية وفرنسى للأشغال.
ولمّا انتفض وأقالهما بعد أسابيع، نُحِّىّ لصالح ابنه الغِرّ.. ولعلّ الغزاة كانوا مُتيقّنين أن البديل سيَطلُب الحماية لاحقًا، وجاهزين لفَرضها قهرًا، وقَضْم الكعكة فى كلّ الأحوال.
لم يُعرَف عن جالب الإنجليز أنه راجع نفسه، أو أقرّ بالخطأ واعتذر عنه. وغالبا ظلّ مُقتنعًا بصحّة موقفه، وبأنه على الجانب الصائب من التاريخ، حتى مات بعد عشر سنوات.
تذكرتُ الحكاية، ولا أعرف عِلّة الاستدعاء، عندما مرّ علىَّ خبرٌ عن الملامة على أسير فلسطينىّ حُرِّر مؤخّرًا، لمُجرّد أنه سمع رأيًا، فاتّفق معه، وعبّر عن استحسانه بالتصفيق.
والقصّة، أنّ حملةً من النقد والمَنّ والأذى تفجّرت فى وجه زكريا الزبيدى، السجين السابق، عقب لقاء جماهيرىّ قال فيه أحد قادة «فتح» إنَّ على حماس الاعتذار للشعب، عما تسبّبت فيه جرّاء كارثة السابع من أكتوبر.
وطفح الإسلاميون وسخَ نفوسهم عليه، كأنهم اشتروه إذ وضعوا اسمه فى صفقة تبادُل، أو أنهم استبدلوه أصلاً ليكون معهم ضد المنطق والوطن، وربما يتوهّمون ذلك فى إضافة مروان البرغوثى للوائحهم، أو يضيفونه للتجارة والاستعراض!
قد يكون الرجل مُمتنًا لمَن كانوا سببًا فى خروجه، ولا يمنعه ذلك من إدانة مَنْ ساقوا مائة ألف قتيل لمذبح الصهاينة بلا ضرورة، أو عائد يُذكر للقضية وناسها.
ولو خُيِّر بين الأمرين، لعلّه يختار البقاء وراء القضبان، ولا تتدمّر البلاد ويُنحَر العباد مجّانًا، ولمُجرّد إغاظة نتنياهو أو إرضاء نزوة للسنوار.
وإلى تلك النقطة، ما كنتُ لأتوقف أمام الأمر. على أن الأكثر استفزازًا أن يَرُدّ أحد قيادات حماس، مُشرفًا على الفجيعة من خارج المكان والزمان. بأقلِّ قدرٍ من التعقُّل والإنسانية، وأعلى منسوبٍ من التبجّح والاستهتار.
تبسيطٌ يُشبه ما قاله خالد مشعل، عن أنَّ آلاف القتلى خسائر تكتيكية. ولا يختلف عمّا يفعله قادة الحركة، إذ وضعوا البشر مقابل التنظيم، واختاروا الأخير.
وظلّوا يؤجّلون المواعيد، ثم يتجرّعون الكأس المُرّة التى رفضوها فى كلِّ مرّة، بعدما يتكبّد القطاع فواتير أعلى.
بلغت الوقاحة ذروتها، بمطالبة «عرفات» فى قبره بالاعتذار عن كوارثه، قاصدًا أوسلو والمسار السياسى، وانتفاضة الأقصى أيضًا. ثمّ اختتم دفاعه البائس بالبصق على جثامين الموتى وعقول الأحياء، قائلا: «الكيان الصهيونى يتسارع بعد الطوفان نحو الزوال»!
وفى ثنايا التعليق، أقرّ بحَقّ المُراجعة. وبعيدًا من أنه لم يلتزمه أو يُطبّقه على حركته، فقد استثنى من القبول أن يكون لخدمة أجندات خارجية، فانتحر المنطق، لأنهم فرعٌ عن تنظيم، وأداةٌ لمحورٍ، وأوّل وأكثر مَن تصدق فيهم تُهمة التبعية!
ثلثُ القرن تقريبًا، وأقلّ قليلا من نصف عُمر المأساة. ثلاث وثلاثون سنة مرّت، أمس، على المصافحة الشهيرة فى حديقة البيت الأبيض، وما تزال تفرض نفسها على الحاضر، باللوم حينًا والمُكايدة حينًا، وبالحنين والأسى فى غالب الأحيان.
صار اتفاق أوسلو فى ذمة التاريخ، بمعنى أن الحدث جُرِّدَ من راهنيّته المُربكة، ثم أنه قُبِرَ عمليًّا، وببطء، على طول العقود الماضية، وذلك لأسباب شتّى، وبطريقةٍ فى التآمر عليه، لا تختلف عن الوصفة التى أنتجته أصلاً، وقادت إليه خُطَى عرفات ورابين.
عرف المُقاتلُ بعد كرٍّ وفرّ أنَّ للمقاومة صورًا عِدّة، ويُستحسَن له وللقضية أن يُجرّب ما كان يأباه ويستنكفه. ولاقاه من الجانب الآخر سفّاحٌ عجوز، ربما كان يُناور ويُداور، أو يتطلّع للتوبة وتغيير مجرى الصراع. المهم أنهما فَعَلا ما لم يكن يتخيّله أحد.
عادت منظمة التحرير إلى فلسطين، وتشكلت أُولى ملامح الدولة: إقليم ولو ضيّقًا وغير صافٍ تمامًا، وشعب يختبر التوحُّد على شىء واضح، وسلطةٌ نشأت من عَدَمٍ تقريبا.
صحيحٌ أنَّ المسار تعثّر لاحقًا، إنما لم تتبدَّد مفاعليه بالكامل حتى اللحظة، وغاية ما يتمنّاه اليمين الصهيونى المُتطرّف أن يُجهِزَ على ما تبقَّى من الورقة، وبعض الفصائل لا تُقَصِّر فى إسناده، كما سبق وأعانته على تفخيخ الخطّة وتعطيلها بالبارود والدم.
قُتِلَ رئيسُ وزراء الاحتلال فى قلب عاصمته، وصعد نتنياهو على جُثّته، وأرخت له حماس حبل الذرائع لآخره بالتفجيرات والاغتيالات، وبدا بوضوحٍ أننا إزاء مُصافحةٍ مضادة، يتخادَم فيها المُتطرّفون على الناحيتين، لنسف ما لدى الحالمين من مخزون الأمل!
والمُفارقة، أنَّ ما يُختَلَف فيه بين الضفّة وغزة اليوم، وسبق أن كان موضوعًا للنزاع فى زمن الانتخابات، وبعدها بالانقلاب على السلطة واختطاف قطاع غزة.
وإلى صفقة الخروج من الطوفان وتداعياته السوداء أيضا، كلها من ثمار أوسلو: يأكلها الغاضبون من السياسة، ويحزّون شجرتها بالسكاكين والشعارات الحامية.
لإسرائيل سهمٌ كبير جدًّا من إفساد التسوية المرحلية، والنكوص عن مفاوضات الوضع الدائم، غير أن للتيَّارات الأُصوليّة فى فلسطين سهمًا أكبر للأسف، أو لا يقل عن نظيره العبرىّ.
وذلك، لأنها لا تتّفق على رؤية، ولا تملك استراتيجية، ويبحث البعض عن مصالح خاصة، ويرتهن آخرون لتحالفاتٍ فوق وطنية!
وما تزال الحركات المشبوهة تنكر وتناكف، وتتنطّع وتنطح الجدار، وتُعلّق خطاياها فى أعناق الآخرين، على طريقة: «رَمَتنى بدائها وانسَلّت»، وهى أكثر ما يبرع فيه الإخوان وأشباههم من الرجعيّات والميليشيات.
لولا أوسلو ما كانت انتخابات، ولا حكومة حماسيّة. وبجهود منظمة التحرير صار لفلسطين وجود قانونى مُعترف به من أغلب العالم، وتمثيل دبلوماسى وجواز سفر.
والاتفاق غير معصوم، وقد فُرِّغ من مضمونه، ويحتاج للمراجعة طبعًا. كما تحتاج السلطة للهيكلة والإصلاح، إنما لا يجوز لحماس أن تنتقد قليلَ الآخر، وتتعامى عن كثيرها الذى يُرَى ويُسمَع ويزكم الأنوف.
الحركة مَدعوّة للتوقّف، والمراجعة، والإقرار بالخطأ ثمّ الاعتذار عنه. وكل ذلك لن يُعيد ما ضاع، لكنه قد يضمن على الأقل ألّا يتكرّر الاستخفاف، أو تُرهَن المصالح الحيوية لشعبٍ كامل، بإرادة مجموعة أو فردٍ، وما فوق ذلك من تحالفاتٍ ومحاورٍ تستغل فلسطين ولا تُخلص لها فعلاً.
ومُطالبةُ الحركة وغيرها بالاعتذار ليست إهانة، وبعض قادتها فى لحظات صفاء اعترفوا بفداحة الطوفان، وأنكروا صلتهم به ليغسلوا أياديهم.
وحتى لو ارتدّوا أو حاولوا الاستدراك لاحقًا، فمعلوم حجم الضغوط والتوازنات فى الحركات ذات البُنى العقائدية الصلبة والمُغلقة.
الاعتراف يُؤكّد الديناميكية، ويُطمئن لاستعادة العقل والمنطق. والاعتذار يُطيّب خاطر المنكوبين، وغيبته تقتلهم مرّتين: بإلقائهم فى التهلكة أوّلاً، ثم بالرقص على مواجعهم بدمٍ بارد.
وكلاهما معًا، دليل على أننا إزاء بشر لا ملائكة، وأن الجنون ليس قدرًا محتومًا، ويُمكن أن تنكسر دوّامة المُعاناة بين عدوٍّ مُحتلٍّ وصديقٍ مُختلّ.