فتحت الموافقة المعلنة في العاشر من أغسطس الماضي على مقترح وزارة المالية بإصدار "صكوك ضريبية"، باباً واسعاً للنقاش حول أبعاد هذه الأداة الجديدة وموقعها الحقيقي داخل خريطة السياسة المالية للدولة. فوفقاً للبيان الرسمي، تقوم الفكرة على اكتتاب الممولين في هذه الصكوك مقابل عائد مناسب، على أن تُخصم قيمتها وعوائدها لاحقاً من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، في تحرك يستهدف بشكل أساسي تقليص الاحتياجات التمويلية وخفض فاتورة فوائد الدين.
وتكتسب الفكرة أهميتها في ظل ما تكشفه موازنة السنة المالية 2026/2027؛ إذ تبلغ مخصصات فوائد الدين نحو 2.42 تريليون جنيه، بما يعادل 46.7% من إجمالي المصروفات العامة. وهذه النسبة لا تمثل خدمة الدين كاملة، التي تشمل أيضًا سداد أقساطه، لكنها تكشف حجم الضغط الذي تمارسه الفوائد وحدها على قدرة الدولة على تمويل الاستثمار والخدمات العامة.
وبعيدًا عن المصطلحات الفنية، تحصل الخزانة بموجب هذه الآلية على تمويل مُقدَّم من الممولين، مقابل عائد وحق مستقبلي في استخدام قيمة الصك وعوائده للوفاء بالضرائب المستحقة. ومن ثم، فالحصيلة ليست إيرادًا مجانيًا أو موردًا دائمًا، وإنما تمويل يرتبط بالتزام مالي وضريبي في المستقبل.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا تتعلق المسألة بابتكار أداة مالية فحسب، بل بنمط العلاقة بين الدولة والمجتمع الضريبي. فالضريبة ارتبطت تقليديًا بالتحصيل الإلزامي، بينما تضيف الصكوك مسارًا طوعيًا يسمح للممول بتمويل الخزانة مقابل عائد وتسوية ضريبية لاحقة. وهنا تصبح الثقة عنصرًا حاسمًا؛ لأن الإقبال على الصكوك سيتوقف على وضوح قواعدها، واستقرارها، وعدالة تطبيقها، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وللفكرة أساس قانوني قائم؛ إذ تجيز المادة (115) من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 لوزير المالية إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون، وتحمل عائدًا معفى من الضرائب، وتكون لقيمتها وعوائدها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة. وبذلك لا يتعلق الأمر بإنشاء الأداة من فراغ، وإنما بتفعيل نص قائم منذ أكثر من عشرين عامًا.
لكن السند القانوني لا يغني عن وضوح التصميم التنفيذي. فما زالت هناك أسئلة بشأن حجم الإصدار ومدته، وطريقة تحديد العائد، والفئات التي يحق لها الاكتتاب، وحدوده، وقواعد التسوية الضريبية، والمعالجة الموازنية للصكوك، وضمانات عدم تحولها إلى مجرد ترحيل للالتزامات بين الأعوام المالية.
ويبرز كذلك سؤال العدالة؛ فالاكتتاب يتطلب سيولة حاضرة والتزامات ضريبية مستقبلية يمكن توقعها، وهو ما قد يجعل الشركات الكبرى وكبار الممولين أكثر قدرة على الاستفادة مقارنة بالمشروعات المتوسطة والصغيرة. ولا يعني ذلك أن الأداة غير عادلة بالضرورة، خاصة أن قواعدها لم تُعلن بعد، لكنه احتمال يستوجب ضوابط تمنع تركز منافعها لدى الفئات الأكثر امتلاكًا للسيولة.
ويبقى الحكم على الصكوك مرهونًا بنتائج تطبيقها. فإذا خفضت تكلفة التمويل، واستُخدمت حصيلتها في تقليل عبء الاقتراض، وخضعت لشفافية حكومية ورقابة برلمانية، فقد تساعد في بناء علاقة أكثر ثقة بين الدولة والممول. أما إذا تحولت إلى وسيلة لتمويل إنفاق إضافي، فقد توفر سيولة مؤقتة مقابل نقل جزء من العبء إلى المستقبل. فالأدوات المالية لا تُقاس بأسمائها، وإنما بكيفية توزيع تكلفتها ومنافعها، والنتائج التي تتركها في الاقتصاد والمجتمع.