موسم الخير.. شاهد جني البلح في شمال سيناء

الأحد، 13 سبتمبر 2026 10:27 ص
موسم الخير.. شاهد جني البلح في شمال سيناء انطلاق موسم جني البلح في شمال سيناء

شمال سيناء- كريم زايد

ينطلق في شهر سبتمبر من كل عام ومع أولى نسمات الخريف موسم جني البلح أحد أبرز المواسم الزراعية التي تنتظرها المحافظة كل عام. وتوافد المزارعون منذ الساعات الأولى من صباح اليوم إلى بساتين النخيل الممتدة في مختلف المراكز، لبدء جمع ثمار البلح الأحمر والأصفر التي تزخر بها أرض سيناء، في مشهد يعكس ارتباط الإنسان السيناوي بأرضه وتراثه الزراعي المتوارث عبر الأجيال.

أقتربت اليوم السابع من المزارعين في جنوب مدينة بئر العبد وتحديدا في منطقة تسمي "جعل" حيث الشباب يقومون بالمبيت ليلًا علي رمال سيناء الذهبية وإشعال النيران وسط النجوم والكثبان الرملية وقبل طلوع الشمس ومع نسمات الفجر الباردة يبدأ الجني حيث يقوم أحد الشباب بالتسلق علي النخل العالي ويربط الحبل بإحكام ومن ثم يقطع " القنو" وهو مليئ بالبلح الاحمر ومن ثم ربطه بحبل أخر ليتم تنزيله بهدوء وهذه الدارجة في سيناء .

ويكتسب هذا الموسم أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، حيث لا يقتصر على كونه موسم إنتاج زراعي فحسب، بل يمثل أيضاً ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير آلاف فرص العمل الموسمية للشباب والعمال في مراحل الجني والتعبئة والنقل والتسويق، فضلاً عن الصناعات التكميلية المرتبطة بتجفيف البلح وتصنيعه.

خريطة زراعة النخيل.. من بئر العبد إلى ساحل المتوسط

تتميز شمال سيناء بانتشار واسع لزراعة النخيل في معظم مراكزها، وتتفاوت المناطق في حجم الإنتاج وجودة الأصناف. في مركز بئر العبد تتركز أهم مناطق الإنتاج التقليدية، ويأتي في مقدمتها قرى الروضة وجعل والجنادل وقاطية واقطية، وهي مناطق اشتهرت منذ عقود بجودة إنتاجها وكثافة بساتينها. أما في مركز العريش عاصمة المحافظة، فتتمركز الزراعة في النطاق الساحلي بمنطقتي المساعيد والريسة والسكاسكة ، حيث تستفيد البساتين من قربها من البحر ومناخه المعتدل.

وفي مركز الشيخ زويد  تنتشر زراعة النخيل في أحواض زراعية عريقة تشمل مناطق الصبخة والخروبة وقبر عمير . كما تمتد زراعة البلح على طول الشريط الساحلي الممتد على البحر المتوسط، حيث تتلاءم التربة والمناخ مع طبيعة النخيل.

كأصناف سيناوية مميزة ونظام ري متوارث "المث"

تزخر محافظة شمال سيناء بمجموعة من أصناف البلح التي تتميز بجودتها ومذاقها الخاص، وأبرزها "الحياني" و"المجهل" وبنت عيش إلى جانب الأصناف الفاخرة مثل "البرحي" الذي يحظى بإقبال كبير في الأسواق. وتنفرد سيناء بطريقة ري تقليدية متوارثة تُعرف باسم "السراديب"، وهي المناطق الساحلية المنخفضة التي تنمو فيها أشجار النخيل. وتعتمد هذه المناطق على نظام *ك"المث" في الري، وهو عبارة عن تدفق طبيعي للمياه الجوفية من باطن الأرض إلى سطح التربة دون الحاجة إلى مضخات، في نظام بيئي فريد يعكس خبرة الأجداد في التعامل مع طبيعة الأرض القاسية وتحويلها إلى بساتين منتجة.

ويؤكد الخبراء الزراعيون أن نخيل شمال سيناء يختلف عن نظيره في الوادي والدلتا ليس فقط في الأصناف والمسميات، ولكن أيضاً في طرق الزراعة والرعاية التي تعتمد بشكل أساسي على الخبرات المتراكمة والممارسات التقليدية التي تناقلتها الأجيال.

الأسعار وتوقعات الموسم.. "البرحي" بـ 100 جنيه

وبحسب ما رصده مزارعون وتجار بالمحافظة، فقد بدأت الأسعار في سوق البلح لهذا العام مستقرة نسبياً. وسجل كيلو البلح البرحي ، وهو من الأصناف الفاخرة التي تتطلب عناية فائقة ورشاً متواصلاً لمكافحة الآفات، سعراً يتراوح حول 100 جنيه للكيلو .
ويتوقع المزارعون أن يشهد الموسم الحالي إنتاجية جيدة، خاصة مع تحسن الأحوال الجوية وانتظام عمليات الري، مما ينعكس إيجاباً على دخل الأسر التي تعتمد بشكل رئيسي على هذا المحصول الاستراتيجي.

المشره .. تراث حي في قلب موسم الحصاد

ولا يكتمل الحديث عن موسم البلح في شمال سيناء دون التطرق إلى " المشره" ، وهو أحد أهم المصطلحات التراثية التي تتوارثها الأجيال.
"المشره" هي المساحة المخصصة لتجفيف البلح وتصنيعه، وتتراوح مساحتها بين 10 إلى 12 متراً مربعاً يتم إحاطتها بسور من جريد النخل يبلغ ارتفاعه نحو متر ونصف، وتُترك غير مسقوفة لتتعرض مباشرة لأشعة الشمس. وتُفرش أرضيتها بجريد النخل الأخضر للحفاظ على نظافة الثمار أثناء التجفيف.

وتستخدم "المشره" في تجفيف نوعين رئيسيين من التمور: "الشقيق"  وهو البلح المجفف كاملاً، و الفديغ  وهو الرطب الذي يتم شقه إلى نصفين ثم فرده وتنشيفه تحت الشمس حتى يتحول إلى منتج ذي قيمة غذائية وتسويقية عالية. وتمثل هذه الصناعة اليدوية جزءاً أصيلاً من الهوية السيناوية، حيث لا تزال العديد من الأسر تحافظ عليها كمصدر دخل إضافي وكموروث ثقافي يعكس مهارة الأجداد في الحفاظ على المحصول لأطول فترة ممكنة.

أهمية اقتصادية واجتماعية

ويشدد المزارعون على أن موسم البلح ليس مجرد موسم زراعي، بل هو موسم حياة كامل. فهو يوفر فرص عمل لآلاف العمال، وينشط حركة الأسواق، ويدعم الصناعات الصغيرة المرتبطة بالتعبئة والتغليف والنقل. كما يساهم في الحفاظ على الرقعة الخضراء بالمحافظة ومكافحة التصحر. وفي ظل اهتمام الدولة بدعم الزراعة في سيناء، يأمل أبناء المحافظة في مزيد من الدعم الفني والتسويقي لمنتجات النخيل، وفتح أسواق جديدة لتصريف الإنتاج، بما يضمن استدامة هذا الموروث الزراعي الهام وتحقيق عائد اقتصادي يليق بجودة "بلح سيناء".

 
بين النخيل.JPG
بين النخيل
 
 
أثناء توزيع البلح وفصله عن الرطب
أثناء توزيع البلح وفصله عن الرطب

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة