قطع العقل تذكرة ذهاب بلا عودة، وغادر بعض أنحاء المنطقة العربية منذ زمن بعيد. والصراع الأكبر فيها اليوم داخلى بالأساس: بين تيار يرتاح للجنون بنزعته الانتحارية، وآخر يتمسك بالحياة، ويرى أنه مكلف بالعمران لا الخراب.
صار الكلام عن جناية الأصولية الدينية على بيئاتها مملا ومكرورا، ولا طائل من ورائه للأسف. يُمسك المتطرفون بخناق الخرائط، يغسلون عقول أبنائها ويقدمونهم قرابين مجانية، فيما يُقدمون الهدايا تطوعا للأعداء والخصوم، ويشدون البلاد والعباد إلى الماضى بحبل غليظ؛ ليخرجوهم من مسار الحضارة والتاريخ معا.
ولا فرق بين السنى منهم والشيعى، ولا الدعوى والحركى/ المسالم ادعاء والعنيف فى الشكل والمضمون. جميعهم يفكرون بمنطق تخطاه الزمن، يقتصون من الدولة الوطنية قصدا، ويعملون عمل الطابور الخامس؛ وإن ادّعوا إخلاص الوجه لله والوطن!
تركيبة تتحيّر إذ تنظر فى مكوناتها: من الإخوان وكوارثهم فى مصر وغيرها، وأبرزها جناية حماس على فلسطين شعبا وقضية، مرورا بإرهاب داعش والقاعدة ومَن يشبهونهم، وإلى السلوك المليشياوى من إيران وأذرع الشيعية المسلحة فى لبنان والعراق واليمن، وسوريا سابقا، تحت لافتة مزورة بعنوان الممانعة.
تتنوع الواجهات، ولا يختلف المحتوى. حتى أنهم يتحالفون سرا وعلانية، بالرغم من كل الخلافات العقدية والمصلحية. تتناسل التيارات من بعضها، تبتعد وتتقارب، وتقبض من جهات متضادّة، والمفارقة أن كل ما تتلاقى فيه يصب غالبا فى اتجاه وحيد: ضد الاعتدال وقواه الإقليمية، أو فى صالح الاحتلال بتنوعاته رؤوسا وتفريعات.
ولا غرابة أن يرتبط الإخوان بعلاقات مع طهران، ويُدعَم حزب الله والحوثيون من أطراف سنية، ويقيم قائد القاعدة الحالى «سيف العدل» فى إيران.
تباهت الأخيرة بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، وكان «طوفان السنوار» خطة مشتركة معها، والحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات تخص مزيجا منها، يسعى بكل السبل إلى تصديرها، وإشعال المحيط كله بنيرانها المؤدلجة.
العقلية واحدة، ولا غرابة أن يستقى الشيعة من أفكار سيد قطب وجماعته، ولا أن تستعير الجماعات السنيّة من نظيرتها مبدأ «التقيّة»، وآليات العمل متعدد الأطراف والأذرع. ويبدو التشابه أعمق فى المنطلقات والأهداف.
وبلغة الماركسية اللينينية؛ فإن اليمين الدينى لدينا يرى تناقضه الرئيسى مع الداخل، سواء من الأنظمة أو الأفكار المتعارضة معهم، فيما الغُزاة والمُحتلون وأعداء الخارج مُجرّد تناقض ثانوى، لاحق فى الترتيب ومتأخر فى أولوية المواجهة.
غير أن الأمر يتخطّى التعريف السابق، إلى صيغة تُشبه التخادُم المقصود. فإذا كانت الغاية ابتلاع الدول؛ فالبداية من التمرّد عليها، والعمل خارجها، واختراع شرعية موازية أو بديلة، تتأسس بالضروة على عدوٍّ، حقيقيا كان أو وهميًّا، مع المبالغة فى إظهار العداء، والاستماتة فى تأبيده بلا نهاية.
وعليه؛ فبطش المُحتلّ مُبرّر لوجود المقاومة، والعكس أيضًا، وكلاهما يُغذّى سردية الآخر وقاعدته الجماهيرية، وينثر الغبار فى عيون مُعارضيه ورافضى المزايدة وعقود الإذعان.
وعلى ما قال المُتنبّى: «ومن نَكَد الدنيا على الحُرّ أن يرى/ عدوًّا له ما مِن صداقته بُدّ».. فما بالك لو لم يكن المرء حرًّا أصلاً، وكانت الصداقة بمستوياتها ضرورة وجودية، على معنى المنفعة التى تُؤلّف القلوب، ولو تنافرت العقول والأرواح.
ولا حاجة للبحث عن شواهد؛ إذ لا نملك أكثر منها على طول العقود الماضية، وفى الشهور الأخيرة بعد هولوكوست غزّة، وامتداداته شمالا من الشام حتى الهضبة الفارسية، والانعكاسات التالية نحو الخليج واليمن الذى كان تعيسًا منذ سنوات، وازداد تعاسةً للأسف!
ورغم توافر الأدلّة من منحى وميدان؛ فأكثرها فجاجة جرت وقائعها مؤخّرا فى لبنان. عندم فضّل الحزب تل أبيب على بيروت/ النازية الصهيونية على الهُوية الوطنية/ نار نتنياهو وكاتس وزامير على جنة عون ونوّاف سلام ورودولف هيكل.
زلزال بقوّة 4.2 درجة على مقياس ريختر، هزّ الجنوب فى النبطية ومُحيطها، وأحس به الناس فى البقاع والشمال. وكان نتاج تفجيرٍ ضخم تفاخر به وزير الدفاع الإسرائيلى، ونشر مقطعًا موجزًا منه تُلامس ألسنة اللهب فيه عنان السماء.
أمّا التمهيد؛ فقد رتّبه لهم الأمين العام نعيم قاسم، أو مُشغّلوه من جنرالات الحرس المُتمركزين فى الضاحية ومعاقل الميليشيا الشيعية. وذلك عندما رفض إخلاء مرتفعات «على الطاهر» للجيش الوطنى، مُنحازًا إلى أن يقضمها منهم الغزاة الصهاينة.
سلوك لا يُبرَرّ بأية عِلّة أو منطق. غير أن الدويلة ما تزال تضع نفسها فوق الدولة، وسلاحها قبل الجميع، وتستبقى حجة البقاء على حساب البلاد والعباد، وغايتها أن يبقى معها زعيم الليكود بوحشيّته المفرطة؛ لأن الطيور على أشكالها تقع!
ومفهوم طبعًا أن القرار لدى الملالى/ الولىّ الفقيه. فإما ينفى الحزب ذلك؛ فيكون عضوًا فى حملة نتنياهو الانتخابية بإرادته، أو يصمت كما يفعل الآن، فيُثبّت على نفسه تُهمة الخيانة؛ مهما تبجّح فى إنكارها، وتعليقها على أكتاف الآخرين، وكلهم أطهر منه قولاً وفعلاً وعقيدة وطنية صافية.
وما يزيد الطين بلّة؛ أن الاحتمالات كلها سيئة: قدّمت إيران إنقاذ خبرائها فى الأنفاق على المصالح اللبنانية، وتلعب الورقة لصالح أولوياتها الخاصة فى النزاع مع واشنطن.
كما يُفضّل الحزب أن تذهب الأرض للعدو؛ ليظل قادرًا على اتّهام السلطة الشرعية، وإشهار البندقية، والتمسك بلافتة المقاومة السخيفة، والتى ما أورثت بيئتها إلا الدمار والاحتلال ورهن القريب لخدمة البعيد!
وتكتمل الحلقة بتطوّرات الجنوب؛ فالجمهورية الإسلامية تستخلص رجالها مع استبقاء الحزب، بحيث لا ينجو لبنان تماما.
وتُحرّك ميليشيا الحوثى لإزعاج الداخل والجوار السعودى، مع تهديد باب المندب لتُحكم قبضتها على خناقَى الممرات الإقليمية.
وبالتوازى تُحفّز جماعات العراق لخوض المُنازلة ضمن الرؤية نفسها، ولأسباب إضافية: إرباك الحكومة، تثبيت السلاح وتنحية خطاب الحصر أو النزع، ومُلاعبة الولايات المُتحدة من الخاصرة بالتزامن مع اقتراب موعد رحيلها النهائى عن بلاد الرافدين.
مُنِحّت هدية لنتنياهو بالطوفان، ردّها على طريقته باختراع الحرب على إيران، وتمكين الأخيرة من التحرّش بالجوار والمضائق والاقتصاد، بعد خشية طويلة من مُجرّد المحاولة.
تدفع المنطقة أثمانًا باهظة، ومُتصاعدة بمتوالية هندسية، عن أخطاء الجميع. كُلفة مُغامرة السنوار، وجنون الإسناد من نصر الله، وانتقال النار إلى قلعة المُرشد، ومحاولات طهران للثأر، مع مساعيها لتسعير المخاطر وإشراك الجميع فى مأزقها الخاص.
تبدو الحرب تعادليّة حتى الآن، وقد لا تُفضى إلى نتائج حاسمة. واستخلاصها الوحيد حتى الآن أن اليمين على الناحيتين من عجينة واحدة، ويعملان لخدمة بعضهما قصدًا أو اعتباطًا.
ستتحرّك الدراما، وتتبدّل الوقائع، وسيتوصّل الغريمان إلى تسويات، تتفجّر بمعارك تنتهى إلى صفقات، وهكذا دواليك.
إنما لن يُنسَى أن محور المُمانَعة أكثر مَن خدم نتنياهو ومُتطرّفى إسرائيل، وأن الميليشيات هزمت بلدانها لصالح العدو، وما من دليل أكبر من أن يُغلق الحزب أنفاقه فى وجه الجيش اللبنانى، ويفتحها للصهاينة!