محمود عبد الراضى

هيبة "أستاذ زمان".. عندما كان القلم يطأطئ له الرأس

السبت، 12 سبتمبر 2026 08:27 ص


في الزمن الأنيق، لم يكن معلم الفصل مجرد موظف يقدم شروحاً ويفك طلاسم المقررات، بل كان قديساً يمشى على أرض المدرسة، ووالداً روحياً تُخلع على أعتاب فصله الهيبات.

كانت خطوته في ردهات المدرسة تهمس للقلوب بالوقار قبل أن تفرضه على العقول، وكان صوته يحمل نبرة تخاطب الوجدان قبل أن تصافح الأذان.

لم يكن احترام الأستاذ طقساً مكروهاً أو خوفاً زائفاً، بل كان فيضاً من الامتنان الصادق لشخص يسكب من عمره ونور عينيه ليرسم لأبنائه طريقاً نحو المستقبل.

كان الطالب يرى في أستاذه نموذجاً أعلى للوقار والأناقة الأخلاقية، يمر بـ جانبه في الشارع فيطأطئ الرأس خجلاً وحباً، ويتلعثم اللسان مهابة وتبجيلاً.

كانت كلمة "يا أستاذي" تخرج محفوفة بـ التقدير البالغ، وكأنها وسام يضعه التلميذ على صدر من علمه حرفاً، فصار له بالفضل خادماً ومحباً.

كانت المدرسة برلماناً للقيم، تقف فيه القامة التعليمية على منصة العطاء السخي، فلا تجد من الرعية الصغيرة إلا السمع والطاعة والمحبة التي تفيض بها العيون قبل العبارات.

لكن رياح العصر الحديث جرفت معها الكثير من تلك الأناقة الإنسانية، تسللت المادية الجافة إلى محراب العلم، وتحولت العلاقة السامية بين المعلم والتلميذ في كثير من الأحيان إلى معادلة تجارية تحسب بـ الأرقام والدروس الخصوصية.

غابت تلك الهيبة الفطرية التي كانت تحيط بـ شخصية المعلم، واستبدل التقدير العميق بـ ندية فجة وجرأة غير مبررة على الشاشات وفي أروقة المدارس، فنقصت بركة التعلم بـ قدر ما نقص احترام الأستاذ.

إن البعث لـ قيمة المعلم وهيبته ليس مجرد حنين بائس إلى زمن مضى، بل هو طوق النجاة الوحيد لـ أمتنا وأجيالنا القادمة.

لن تستقيم منظومة تربوية أو تشرق شمس حضارية ما لم يعُد للأستاذ عرشه الرمزي في قلوب طلابه وفي ضمير المجتمع، فنحن لا ننحني للمعلم ضعفاً، بل ننحني إجلالاً لـ القنديل الذي يحترق لـ يضيء عتمة العقول، وليظل "أستاذ زمان" هو العنوان الأبرز لـ الأناقة الأخلاقية التي صاغت أمجادنا.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة