مايكل فارس

لماذا شرعن فيسبوك خطابات الكراهية؟

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 04:01 م


أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيسبوك، من أبجديات التعاطي اليومي مع الأحداث لملايين المواطنين، يتبادل فيه الناس الآراء والمعلومات، ويشاركون محتوى دون التحقق من مصداقيته، رغبة في الحضور الاجتماعي، أو سعيًا لدعم قضية توافق قناعاتهم وأحكامهم المسبقة، خاصة مع ظهور قضايا مجتمعية تتعلق بالهوية مثل الدين والثقافة أو قضايا اللاجئين،  لتتحول الآراء إلى خطابات كراهية أو تحريض على الكراهية، سواء بعلم المشاركين أو جهلاً منهم بتبعات ما ينشرونه ويشاركونه.

وأثناء تصفح هذه المنصات، تعمل في الخفاء خوارزميات الذكاء الاصطناعي في المنصات على ترجيح المحتوى الذي يجذب انتباه المستخدمين وتدفعهم إلى التفاعل، وهو ما قد يمنح المحتوى المثير للغضب والاستفزاز فرصة أكبر للظهور والانتشار، إذ يؤدي المحتوى الانفعالي إلى مزيد من التفاعل، فيتعامل معه النظام باعتباره أكثر جذبًا، ثم يوصي بمزيد من المحتوى المشابه، بما يسهم في زيادة حضور خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، وحديثي هنا محددًا على "فيسبوك".

وضعت شركة ميتا المالكة لفيسبوك، قوانين تمنع خطاب الكراهية لحماية المستخدمين، وفيها يُمنع تماماً الهجوم على أي شخص أو شتمه بسبب "صفات محمية" مثل دينه، أو مذهبه، أو عرقه، أو جنسيته، أو لكونه لاجئاً، لكن رغم هذه القوانين المكتوبة، يتفاجأ المستخدم العادي في العالم العربي بأنه عندما يقوم بالإبلاغ  "Report" عن تعليق أو منشور يحتوي على خطاب كراهية أو شتائم واضحة، أو تحريض وتهديد صريح ضد فئة معينة من المجتمع، يأتيه رد آلي محبط من إدارة فيسبوك يقول: "هذا المحتوى لا يخالف معايير مجتمعنا"، فكيف يحدث هذا؟ ولماذا يُسمح بهذا الانفلات في منطقتنا؟

 

لماذا يرفض فيسبوك بلاغات الإساءة وخطابات الكراهية؟

قمت بعمل بلاغات ضد محتويات مسيئة وتضمن خطابات كراهية ضد المسيحيين قام البعض بالتعليق بها على حسابي الشخصي في الفيسيبوك، على خلفية رأي كتبته بشأن واقعة إهانة مذيعة للمسيحيين على صفحتها الشخصية، ففوجئت بردود  تجاوزت خطاب الكراهية لتتحول لتحريض على العنف وازدراء أديان، عندما تقرأ تعليقاً يحتوي على تهديد صريح وشتائم مقززة ضد طائفة معينة، ثم تبلغ عنه ويتم رفض بلاغك، فإن المشكلة ليست أن القوانين تسمح بذلك؛ بل إن السبب يكمن في فشل النظام التقني وظروف العمل الكارثية للمراجعين.

تتبعت دراسات أكاديمية وأبحاث لمعرفة أسباب رفض فيسبوك بلاغات الإساءة وخطابات الكراهية؟  بينما ترتعب الشركة من ارتكاب خطأ مماثل في أوروبا، وخلاصة ما وجدته فتكمن الأزمة في 4 أسباب وأولها أن الرد الآلي، فلجأت شركة ميتا إلى أتمتة المهام بالذكاء الاصطناعي،  واستبدلت بالفعل حوالي 50% من طلبات المراجعة البشرية بنماذج لغوية ضخمة، ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، قد ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 90% لأنواع مُحدّدة من المحتوى قبل نهاية عام 2026.

لكن هذا النظام الآلي أثبت فشله العلمي في منطقتنا، ففي دراسة أكاديمية نُشرت عام 2024 في قاعدة بيانات المعاهد الوطنية للصحة (NCBI) الأمريكية، جائت بعنوان " كشف عن خطاب الكراهية باللغة العربية باستخدام التعلم العميق: دراسة استقصائية حديثة حول التطورات والتحديات والاتجاهات المستقبلية" ، والتي راجعت كفاءة أنظمة كشف خطاب الكراهية العربي بين عامي 2020 و2024، خلص الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي يصاب بـ "العمى" ويفشل فشًلا ذريعًا في فهم اللهجات العامية والتعقيدات اللغوية، وأكدت أن الخوارزميات تعجز تمامًا عن التقاط التحريض إذا كُتب بكلمات محورة، أو باستخدام حروف لاتينية وأرقام  أو رموز، مما يجعل الأنظمة الآلية تصنف الشتائم والتهديدات الطائفية كـ "محتوى آمن" وترفض بلاغك تلقائيًا دون أن يمر على عين بشرية.

 

فشل المراجعات البشرية في رصد خطابات الكراهية

السبب الثاني والأخطر، رغم وجود مراجعة بشرية لبعض البلاغات الخاصة بخطاب الكراهية على منصة فيسبوك، وهي تلك  الحالات القليلة التي يفشل فيها النظام الآلي، ويتم تحويل البلاغ إلى موظف بشري، فإن هذا الموظف يعمل تحت ظروف قاسية لا تسمح له بقراءة التهديد أصلاً، وهو ما كشفته تحقيقات استقصائية أجرتها وكالة الأنباء الفرنسية "AFP" داخل مراكز مراجعة المحتوى التابعة لميتا في كينيا، حيث أكد المراجعون أن الإدارة تفرض على الموظفين وقتًا متوسًا للمعالجة متوسطاً  يتراوح بين 55 إلى 65 ثانية فقط لقراءة المنشور أو الفيديو واتخاذ قرار بشأنه، وبحسب التحقيق، يُجبر المراجع البشري على فحص ما بين 387 إلى 458 شكوى يوميًا، وإذا كان أبطأ من ذلك فإنه يواجه إنذارات تصل إلى الفصل من العمل.

وقد دعمت دراسة أكاديمية نُشرت في مجلة "علم النفس السيبراني" هذه الحقائق، مؤكدة أن المراجعين يقعون تحت ضغط نفسي هائل بسبب "حصص الإنتاجية" الصارمة التي تجبرهم على الحفاظ على دقة تفوق 95% تحت ضغط الوقت، وتحت سيف هذا الضغط، لا يملك الموظف 60 ثانية لفهم سياق شتيمة طائفية أو تهديد مباشر، مما يدفعه للنقر بسرعة على زر "تجاهل" أو "لا توجد مخالفة" لتلبية متطلبات الإدارة، وهذا هو السبب الحقيقي لعدم حذف التهديدات الصريحة رغم مخالفتها الواضحة للقوانين.

 

ثغرة النقاش الديني والسياسي

السبب الثالث ما يمكن تسميته بـ "ثغرة النقاش الديني والسياسي"، في 7 يناير 2025، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة ميتا رسميًا عن تغييرات جذرية في قوانين المنصة، حيث تم تعديل اسم سياسة "خطاب الكراهية "Hate speech " لتصبح سياسة السلوك الباعث على الكراهية  " Hateful Conduct "، والتعديل الآخير سمح بنشر بعض الإهانات والتعليقات القاسية إذا تم تصنيفها على أنها مجرد "نقاش ديني أو سياسي"، هذه الثغرة زادت الطين بلة، حيث وفرت غطاءً قانونياً للأنظمة والمراجعين لاعتبار الكثير من الشتائم بين المذاهب والأديان مجرد "آراء عامة" وليست خطاب كراهية.
وقد أثار هذا التحديث قلقًا دوليًا رسميًا، حيث نشرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان رسالة من خبرائها توثق فيها أن تحويل سياسة "خطاب الكراهية" إلى "السلوك الباعث على الكراهية" يؤدي عملياً إلى تقليص حماية الفئات المهمشة والنساء واللاجئين، ويسمح بتمرير التعليقات المسيئة والتحريضية تحت غطاء حرية النقاش السياسي والديني، هذه الثغرة هي التي تمنح المراجعين والأنظمة الآلية حجة لاعتبار الكثير من الشتائم بين المذاهب والأديان مجرد "آراء عامة" تُترك دون حذف.

 

الاهتمام بالسياسة أكثر من الكراهية

السبب الرابع هو اهتماما ميتا بالقضايا السياسية أكثر من فكرة خطابات الكراهية، فبينما تتساهل مع الشتائم الدينية والتحريض الواضح، تجدها صارمة جداً في الأمور السياسية المرتبطة بالإرهاب،  تم توثيق ذلك باعتراف الشركة نفسها؛ ففي الإعلان الرسمي الصادر عن ميتا في يناير 2025، حيث أكدت خلاله أنها أوقفت استخدام "التنفيذ الاستباقي"  أي التدخل الآلي السريع للحذف لغالبية خطابات الكراهية بحجة تقليل تقييد حرية التعبير، لكنها أكدت صراحة أنها ستُبقي على هذا الحذف الآلي الصارم فقط للانتهاكات التي تعتبرها "عالية الخطورة" مثل دعم الإرهاب، وهي تعتمد في تعريفه على على القوائم الأمريكية للمنظمات المحظورة وكذلك سياسات "دولة الاستيطان"، فإن هذا يثبت تقنيًا أن الشركة تمتلك الخوارزميات والأدوات الفعالة لحذف الكلمات المخالفة فورًا، لكنها وجهت هذه التقنية لخدمة أولوياتها السياسية وتلبية المتطلبات الغربية، بينما سحبت هذه الحماية التقنية من المستخدمين العاديين الذين يتعرضون للشتائم أو التحريض الطائفي.

 

قوانين الاتحاد الأوروبي.. لماذا يخاف فيسبوك هناك؟

إذا انتقلنا إلى أوروبا، سنجد أن الوضع مختلف تمامًا، لو كُتب نفس التعليق الذي يحمل كراهية ضد ديانة أو طائفة أو مجموعة من اللاجئين في دولة أوروبية، سيتم حذفه فورًا، و السر ليس في أخلاق الشركة، بل في "العصا الغليظة" للقوانين الأوروبية، فقد أصدر  الاتحاد الأوروبي قانونًا صارمًا يُسمى قانون الخدمات الرقمية DSA، والذى يجبرشركة ميتا على  3 أشياء هامة أولها إلزام فيسبوك بمراجعة وحذف أي "خطاب كراهية غير قانوني" مثل شتم الأديان أو التحريض ضد اللاجئين والأقليات خلال 24 ساعة فقط من الإبلاغ عنه، وكذلك الغرامات الضخمة التي تصل لـ 6% من إجمالي الأرباح السنوية للشركة، إذا  لم يهتم فيسبوك بحماية المستخدمين وتم إثبات تساهله، والأهم هو "الشفافية الإجبارية" فلا يحق لفيسبوك إغلاق حسابات أو رفض بلاغات دون تقديم أسباب واضحة.

 

لماذا يختلف التطبيق؟

السبب في النهاية يكمن في غياب الرقابة الإقليمية وأولويات الربح، في أوروبا، هناك قوانين موحدة (مثل DSA) تجبر فيسبوك على دفع الملايين إذا سمح بمرور تعليقات الكراهية الموجهة ضد الأفراد أو اللاجئين، فتضطر الشركة لتعيين جيوش من الموظفين وتطوير أنظمة دقيقة للالتزام بالوقت القانوني.
أما في الشرق الأوسط، وبغياب قوانين رادعة للشركات، تختار ميتا "التوفير" المالي، فهي توكل 90% من البلاغات لذكاء اصطناعي أثبتت الأبحاث (مثل دراسة NCBI لعام 2024) عجزه عن فهم اللغة العربية خاصة العامية واللهجات المحلية، وتوظف بقية المراجعين البشريين كـ "آلات" تفرض عليهم إنهاء فحص البلاغ في أقل من دقيقة (55 إلى 65 ثانية) تحت التهديد بالفصل، كما وثقت وكالة الأنباء الفرنسية أن هذا النظام المنهار هو ما يؤدي إلى نتائج عبثية تُترك فيها التهديدات والشتائم الصريحة، وتُرسل لك كضحية رسائل آلية مستفزة تدعي أن المحتوى "لا يخالف المعايير".

 

الفرق بين مهاجمة الأشخاص ومهاجمة الأديان وازدواجية المعايير

ما يثير الالتباس لدى البعض في سياسات ميتا، إذا كانت أوروبا وقوانينها تجبر فيسبوك على حذف خطابات الكراهية، فلماذا تُترك التعليقات المسيئة للأديان أو الرسوم المسيئة للأنبياء والديانات عمومًا، دون حذف وتُعتبر "حرية تعبير"؟، هنا السر يكمن في قاعدة قانونية غربية تفرق بين أمرين، ووفق ثقافتنا الشرقية نحن لا نعتد بها، أولا
سياسات شركة ميتا تمنع الهجوم المباشر على "الأفراد" أو شتمهم بسبب ديانتهم، فإذا كُتب تعليق يحمل تهديدًا وشتائم مباشرة للمسيحيين كأشخاص، فهذا يُعتبر انتهاكًا صريحًاويجب حذفه، وسبب عدم حذفه، كما تدعم الدراسات أعلاه، هو الأتمتة العشوائية والوقت القاتل المفروض على المراجعين 55 ثانية، وليس لأن القوانين تسمح بذلك، في المقابل، تفرق قوانين ميتا بوضوح بين الهجوم على الأفراد، وبين الهجوم على "المفاهيم والمؤسسات"، والتي تشمل الأديان، والمعتقدات، والأنبياء، في القوانين الغربية عمومًا، السخرية من الأديان  وفي الشرق الأوسط  نعتبره ازدراء أديان،  لايُعتبر عملاً غير قانوني ولا يُصنف كخطاب كراهية، لذلك، إذا تم نشر رسم يسخر من نبي أو نقد لاذع لديانة دون شتم الأفراد المعتنقين لها، فإن فيسبوك والقوانين الأوروبية تعتبر هذا الهجوم موجهاً لـ "فكرة"، وبالتالي يُترك المنشور بحجة "حرية التعبير".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة