أكتب من جديد كلماتي هذه كدعوة لجموع الشعب المصري العظيم، لأذكره ونفسي بأننا شعب مؤمن بالفطرة وأن النظافة من الإيمان .
فهل لنا أن نفعل هذا الجانب من الإيمان بعد أن تم تجاهله والتغاضي سهواً أو عمداً عن مدي أهميته لصحة وسلامة الإنسان بالمجتمع وخاصة الأطفال ؟
فقد تحدثت سابقاً عن تجربة رواندا الشهيرة بمسألة النظافة، ذلك بعد تدميرها بالكامل خلال سنوات الحرب الأهلية والمذابح المروعة ومدى قوة إرادة وتصميم شعبها وفطنته إلى ضرورة إعادة البناء السريع والتحول الإرادى من دولة أنهكتها ودمرتها نيران العصبية والقبلية والتخلف إلى دولة يضرب بها المثل في النظافة ومزار سياحي عالمي ومعدلات تنمية اقتصادية عالية بشكل يرفع له القبعة .
ولكن رواندا ومن مثلها من دول صغيرة الحجم قليلة السكان، قد تصبح مثل هذه التجارب فيما يخص الإرادة والثقافة الشعبية ناجحة فعالة لأنها داخل نطاق السيطرة وسهولة التطبيق .
ومن رواندا وتونس إلى الإمارات العربية المتحدة التي تبلغ من العمر خمسة وخمسون عاماً تحولت خلالها من صحراء بدوية إلى مدن عالمية تزينها ناطحات السحاب كأكبر وأهم المزارات السياحية العالمية، وفي دولة كالإمارات نجد بها التجربة مختلفة، حيث لعب دور الحكومة والرقابة المشددة والقوانين الصارمة التي لا تستثني أحدا والغرامات الموجعة، الدور الأكبر في التزام واحترام الجميع لكل أوجه وأسباب هذا التطور العظيم وعلى رأسه النظافة التي لا تخطئها عين.
أما عن مصر كدولة كبيرة مترامية الأطراف مكتظة بالسكان الذين تخطوا حاجز المائة وعشرة ملايين نسمة فالمسألة ليست بالسهولة التي قد تحققها الإرادة والثقافة الشعبية أو القوانين والرقابة والغرامة وغيرها من الأساليب التي اتبعتها غيرها من الدول ونجحت بها.
ولكن..
هل ننتظر أن تخصص الدولة وزارة خاصة للنظافة أو قطاع جديد بوزارة الداخلية للرقابة على النظافة وفرض الغرامات القاسية والتفرغ لمتابعتها، أم نطالب الشرطة والجيش بترك ملاحقة المجرمين ومحاربة الإرهاب وإقرار النظام وتوفير الأمان والتفرغ لملاحقة الخارجين على قانون النظافة المزمع ؟
ولنكن لوطننا عوناً لا معوقاً، وليبدأ كل منا بنفسه ونظافته الشخصية وبيته وأولاده الذين سيأخذون عنه هذه العادات، وبأنحاء منزله وهذا أضعف الإيمان .
فإن قام عدد من الأشخاص في شارعٍ ما بهذا السلوك، حتماً سيصاب بعض الآخرين ممن يسكنون نفس الشارع بالخجل والبعض الآخر بالعدوى الإيجابية والحماس الجمعي الذي له التأثير الأكبر في مثل هذه الأمور التي تستلزم الحماس والإقبال .
ثم إن نجحت التجربة وتم تفعيلها بأحد الشوارع سرعان ما ستنتقل لباقي شوارع المنطقة المعينة عن طريق العدوي أو الخجل سيان.
فكل ما يعنينا هنا هو التفعيل والانتشار الذي هو الحل الأمثل وربما الأوحد في مجتمع كبير مترامي الأطراف متعدد الطبقات مختلف الثقافات مثل مجتمعنا، تصعب به إحكام عمليات الرقابة وإقرار الغرامة كما يحدث بالإمارات، لكن من السهل إيقاظ ضميره الجمعي وحسه الوطني وإيمانه الفطري .
فعندما تم إقرار غرامة مالية تخص إلقاء القمامة ومخلفات المباني بالشوارع، للأسف لم تفلح ولم تتفعل نظراً لأن صغار الموظفين هم من يفسدون جميع الأمور، فمنهم الموالي ومنهم المرتشي ومنهم من لا يقوم بأداء واجبه، ما أفسد الفكرة وحولها إلى مجرد حبر على ورق .
أما إن كانت الرغبة نابعة من داخل المواطن نفسه وخالصة لوجه الله الوطن ، فلن يحتاج آنذاك إلي رقيب سوي ضميره فحسب .
وعندما تنتشر الفكرة وتدخل حيز التنفيذ الفعلي وتتناقلها الأخبار، ربما يتوقف خجلاً قطاع أصحاب السيارات الفارهة الذين نراهم بأعيننا يفتحون النافذة هم أو أولادهم ليقذفوا بأكياس القمامة بالشوارع والطرقات العامة كثقافة اعتادوا عليها وعلموها بطريق غير مباشر لذريتهم !
نهاية :
أتوجه بدعوة عامة لجميع المصريين المؤمنين بالحفاظ على صحتهم وصحة أولادهم واتقاء الأمراض والأخطار ومن قبلهم الله عز جل بالنظافة ثم النظافة.
كما أدعو كافة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بجانب وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة لنشر تلك الدعوة بكثافة حتى نستطيع توصيلها لكل ربوع مصر وتغطيتها من باب التشجيع في البداية إلى أن تدور العجلة وتدفع نفسها بنفسها لتتحول فيما بعد إلى رغبة وإرادة وثقافة شعب كبير عريق .
ملحوظة :
حدثني أحد الأصدقاء عن زيارته التي جاءت بالصدفة لحي الأسمرات الذي تم بناؤه لسكان العشوائيات، وقد كان حقاً منبهر بجمال الحي وتناسق مبانيه وكم الأشجار والحدائق العامة التي تتوسط المباني، وتواجد معظم الخدمات المطلوبة.
ولكن :
قالها بالنص دون أن أغير كلمة من كلماته بأخري :
"بس للأسف الناس اللي هناك في منتهي الإهمال والعشوائية واللامبالاة اللي كفيلة بأنها تحول المكان الجميل الراقي المنظم إلى عشوائية جديدة .
إلي لقاء جديد وحديث غير منقطع عن النظافة