عرفة الضبع

عام على رحيل أبى.. الأثر الطيب لا يموت

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 12:16 م


تمر الأيام، وتتغير تفاصيل الحياة، ويغيب أشخاص عن المشهد، لكن بعض الغياب لا يكون غيابًا كاملًا؛ لأن صاحبه يترك وراءه أثرًا لا تمحيه السنوات، وسيرةً تظل حاضرة في ذاكرة الناس وقلوبهم.

وفي ذكرى مرور عام على رحيل والدي، الأستاذ محمد السيد حماد الضبع، أجدني أمام سيرة رجل لم تكن حياته مجرد سنوات مرت وانتهت، وإنما رحلة طويلة من العطاء في التعليم والعمل العام والأدب وخدمة الناس، ترك خلالها بصمته في نفوس أجيال وأصدقاء وأهل وأبناء مدينة جهينة.

رحل والدي في سبتمبر عام 2025، عن عمر ناهز 77 عامًا، في مسقط رأسه وبلد المحيا والممات، مركز جهينة بمحافظة سوهاج - موطن الرجال والشجعان والعائلات العريقة والرموز في مختلف المجالات وقاهرة الحملة الفرنسية في 10 أبريل عام 1799 - بعد رحلة حافلة بالعطاء والعمل، بدأت من التعليم وانفتحت على مجالات متعددة من العمل العام والثقافي والاجتماعي.

كان والدي رحمة الله عليه واحدًا من أبناء جهينة الذين جمعوا بين العلم والثقافة والعمل العام، فقد عمل في مجال التربية والتعليم حتى وصل إلى درجة مدير عام، وكان عضوًا ووكيلًا للمجلس المحلي، كما تولى أدوارًا في العمل السياسي والحزبي، بدءًا من الاتحاد الاشتراكي وما تلاه على مدار أكثر من 30 عامًا، إلى جانب نشاطه النقابي باعتباره عضوًا وأمينًا عامًا لنقابة المعلمين بجهينة.

لكن المناصب، مهما تعددت، لا تختصر سيرة الإنسان، فما بقي من والدي في ذاكرة من عرفوه لم يكن فقط ما شغله من مواقع، وإنما كيف كان وهو يشغلها. كان فصيح اللسان، قوي الحجة، حاضر البديهة، وخطيبًا مفوهًا في المحافل الرسمية والمناسبات العامة، يمتلك قدرة لافتة على التعبير وإيصال الفكرة، وكان البيان بالنسبة إليه أكثر من مجرد كلمات، كان وسيلة للتواصل والتأثير والتعبير عن قناعاته ومشاعره.

وكان الأدب والشعر جزءًا أصيلًا من شخصيته. فقد كان أديبًا وشاعرًا، وتولى رئاسة نادي الأدب بجهينة، وظل قريبًا من الكلمة والثقافة وأهل الأدب، مؤمنًا بأن الثقافة جزء من بناء الإنسان والمجتمع. وفي العمل الاجتماعي، كان له حضور واضح أيضًا، فتولى رئاسة جمعية الشبان المسلمين بجهينة، وشارك في العمل العام والنقابي والسياسي والاجتماعي على مدار سنوات طويلة. ومع ذلك كله، ربما كان أعظم ما تركه والدي هو ما لا يمكن أن تسجله سيرة ذاتية أو تحفظه صفحات المناصب وهو أخلاقه والأثر الطيب والمواقف المحفورة في الذاكرة.

كان رحمة الله عليه صواما قواما حريصًا على ورده اليومي من الأذكار والاستغفار، طيب القلب، متسامحًا، محبًا للخير، حريصًا على صلة الرحم، ولم يحمل في قلبه ضغينة تجاه أحد، أو يعرف طريقًا للعداوة أو إيذاء الآخرين. ويحرص على أن تبقى علاقته بالناس جميعًا قائمة على المودة والاحترام. وكان لأهله مكانة خاصة في قلبه، فقد كان مخلصًا لعائلته، محبًا لأهل جهينة عامة، حاضرًا بينهم في مختلف المناسبات، وأحد رموز عائلة الضبع التي ينتمي إليها ويعتز بها.

ولعل أصدق شهادة للإنسان هي تلك التي تأتي بعد رحيله، حين لا يعود للمجاملة مكان، ولا يبقى أمام الناس إلا ما عاشوه منه وتذكروه عنه. وبعد رحيله، جاءت كلمات الأهل والأصدقاء والمحبين لتكشف جانبًا من المكانة التي كان يحتلها في قلوبهم.

كتب أحد محبيه: "الخطيب المفوه والشاعر وصاحب الخلق الكريم وأحد رموز مدينة جهينة الأجلاء". وقال آخر: "صاحب البيان، فصيح اللسان". ووصفه أحد أفراد العائلة بأنه "رجل العائلة ومعلم الأجيال". بينما نعاه آخرون باعتباره "رجلًا من خيرة الرجال، ورائدًا من رواد التعليم والعمل العام سياسيًا واجتماعيًا، صاحب الواجب والمروءة والكرم".

ولم تكن هذه الكلمات وغيرها مجرد عبارات عزاء عابرة؛ فقد كان واضحًا أن كل شخص استعاد في لحظة رحيله صورة مختلفة له: معلمًا، أو شاعرًا، أو خطيبًا، أو رجلًا من رجال العمل العام، أو صاحب واجب، أو إنسانًا ترك في نفسه موقفًا لا ينساه. وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقية.

أن يرحل، ويبقى أثره. أن تتذكره الأجيال التي تعلمت على يديه. أن يذكره زملاؤه بما قدمه. أن تتحدث عنه عائلته باعتزاز وفخر. أن تتذكره جهينة باعتباره واحدًا من أبنائها الذين أسهموا في حياتها التعليمية والثقافية والاجتماعية.

أما نحن أبناءه، فقصتنا مع غيابه مختلفة، فنحن لا نستطيع أن نتعامل مع ذكراه باعتبارها مجرد ذكرى رجل رحل، لأنه بالنسبة إلينا كان أبًا قبل أن يكون أستاذًا أو أديبًا أو خطيبًا أو رجلًا من رجال العمل العام. نفتقد وجوده، وصوته، ونصائحه، ووجوده بين أفراد الأسرة، ونفتقد ذلك الشعور الذي كان يمنحنا إياه مجرد وجوده إلى جوارنا باعتباره القدوة والسند.

لكن عزاءنا أن الرجل الذي فقدناه جسدًا لم نفقد ما تركه فينا، ترك لنا اسمه وسيرته، وترك لنا من القيم ما هو أثمن من المال والمناصب، ترك لنا معنى صلة الرحم، واحترام الكبير، ومحبة الناس، والوقوف إلى جانب الآخرين، والتسامح، وعدم إيذاء أحد، والاعتزاز بالعائلة والانتماء إلى المكان. ترك لنا أيضًا درسًا مهمًا: أن قيمة الإنسان ليست فيما يصل إليه من منصب، وإنما فيما يتركه من أثر في نفوس الناس.

وبعد عام من رحيله، ما زالت سيرته تتردد على ألسنة من عرفوه، وما زالت مواقفه حاضرة في ذاكرة أهله وأصدقائه وتلاميذه ومحبيه، وبقيت سيرته الطيبة بين من شاركهم حياتهم ومناسباتهم المختلفة.

وفي الذكرى الأولى لرحيل والدي، لا نجد ما يليق بوداعه سوى أن نقول ما قاله محبوه يوم وداعه «إنا لله وإنا إليه راجعون». نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويرفع درجاته، ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجعل ما تركه من أثر طيب وسيرة حسنة شاهدًا له بين الناس.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة