إنها معضلة من معضلات النفس البشرية، أن تقف حائرة مأخوذة، بين ما تأمر به العقيدة والمباديء، وبين واقع يضطر الإنسان إلى مخالفته، فينشأ صراع داخلي؛ فإما أن يرضخ للواقع، يُكاشف به حقيقة نفسه، ومخالفة مبادئه، وهذا نادر أو قليل الحدوث في خضم الصراع الناشيء في طوايا النفس، وإما أن يسعى إلى إقناع نفسه بالتوافق بين الأمرين، وأنه لا تناقض بينهما. فيرضي عقيدته بأداء طقوسها، ويرضي طموحه بما يخدع به نفسه من توافق، ويريح ضميره من انفصام يؤرق باطنه ومكنون نفسه، ويستكين إلى أوهام صنعتها أفكاره.
فالطموح لا حدود له عند الإنسان؛ في النجاح وتحقيق المجد الشخصي، ومن الإكثار من الأموال، والاستحواذ على أكبر قدر من عرض الدنيا، وتأمين مستقبله ومستقبل أبنائه كما يدعون. لكن الواقع لا يساعد دائمًا على تحقيق ذلك إلا بما يخالف مبادئه، فينشأ صراع داخلي يحاول فيه الإنسان أن يوفق بين الرغبتين والاتجاهين المتناقضين.
ولا تحارب العقيدة طموح الإنسان ولا سعيه ولا رغبته في الغنى، ولكنها تضع لذلك طريقًا من العمل الجاد، والصدق والشرف والأمانة. فإذا ما اتبعت ذلك، فقد لا يكون الثراء ممكنًا في واقع مبني على الغش والكذب والرشوة التي تسهّل الأمور وتفتح الأبواب، أمام الغنى السريع والثراء الفاحش وامتلاك الدور والعقارات.
وهنا يجد الإنسان نفسه في مواجهة مأزق حقيقي: عقيدته تحثه على العمل وتحقيق ما يصبو إليه، بينما تقابله في الطريق حواجز من المبادئ التي تحرّم عليه الوسائل التي قد توصله إلى غايته، وبسببها يفقد الإنسان الكثير من ذخائر الروح، حين يسعى بأي وسيلة إلى تحقيق طموحه؛ إذ تبدأ أجزاء من العقيدة والمباديء في الانهيار داخله، وتتآكل الحدود التي كانت تفصل بين ما يؤمن به وما يفعله.
وقد تختلف البواعث هنا من إنسان إلى آخر؛ فمنهم من يدوس على كل شيء لتحقيق طموحه وأطماعه، مهما كانت العقبات والمبادئ، ومنهم من يترفق بنفسه، ويتوسط بين الأمرين، فيأخذ من كل منهما بنصيب، محاولًا التوفيق بين النجاح في الحياة ورعاية المبادئ التي يلتزم بها ولو ظاهريا. إنه يحاول جاهداً، أن يجد توافقًا بين ما يدور في نفسه وما يفرضه الواقع على الإنسان من أمور تبدو متناقضة للعيان. وقد شاع هذا التناقض بين الناس حتى ظنوه أمرًا طبيعيًا، ولم يعودوا يرون فيه نزاعًا حقيقيًا بين النفس والواقع، كأنهم جعلوا من المسخ طبيعة، ومن الطبيعة مسخًا؛ إرضاءً لأنفسهم، وتفاديًا لتأنيب الضمير ومعاتبة النفس على سلوك طريق يناقض عقيدة اعتقدوها أو مبدأ أعتنقوه. فليس الشيوع أو تكرار العمل بين الناس دليل صحة، حتى نتخذه دليلًا على أن ما نفعله من أخطاء قد أصبح صوابًا، لأن الأغلبية من الناس تفعله. وهنا تتكيف العقيدة حسب الأهواء، وتتشكّل وتأخذ صبغة أخرى، يريد لها الشخص، أن تؤدي دورها في إسكات الضمائر.
إنه ليس صراع واضح، بل هو صراع خفي، يملي على الإنسان أفعالًا قد لا يختارها صراحة، ولكنه يوافق هوى في نفسه. وإن إعطاء أساليب الخسة في نيل ما يريد الإنسان مسميات أخرى، وتزيينها بألفاظ براقة، دليل على فقر شديد في النفس التي تظن أن الحصول على النجاح يبيح كل وسيلة، وأن الغاية تبرر الطريق إليها فيجعل من نفسه ساحة تحاور وتناور، وتجيد الخداع، وقد تبلغ من قدرتها على خداع صاحبها أنها تقنعه بأن ما يفعله ليس خروجًا على مبدئه، وإنما استثناء تفرضه الظروف، أو ضرورة اقتضاها الواقع، أو حق مشروع في الوصول إلى ما يريد.
ليس الصراع هنا بين العقيدة والطموح، وإنما بين الإنسان ونفسه؛ بين المبدأ الذي يؤمن به، والرغبة التي يريد تحقيقها بأي ثمن. وهنا تكمن معضلة النفس البشرية في مواجهة الحقيقية.