أحمد المالكى

حين يتقدم الأدب ويستقيم الإنصاف

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 12:07 ص


الأدبُ زينةُ العلم، وروحُ التعامل، وعنوانُ النفوس الكريمة، به يعرف الإنسان قدر نفسه وقدر غيره، وبه يستقيم اللسان حين يتكلم، والقلب حين يختلف، والحكم حين يُنصف، فليس الأدب مجرد ألفاظٍ مهذبة، وإنما هو خُلُقٌ يحمل صاحبه على وضع كل شيء في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، والوقوف مع الحق دون أن يفقد جمال الخُلُق، وليس من الأدب أن نسكت عن الخطأ، ولا الإنصاف أن نسوّي بين الحق والباطل، وإنما الأدب أن نطلب الحق بأحسن طريق، والإنصاف أن نعطي كل إنسان حقه، فلا يحملنا الخلاف على الظلم، ولا تحملنا المحبة على المبالغة، ولا يحملنا الغضب على إسقاط ما عند المخالف من فضل.

وقد جعل القرآن الكريم العدل أصلًا لا يتغير بتغير المواقف والأشخاص، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]، فحتى الخصومة لا تبيح أن نتخلى عن العدل، وحتى اختلافنا مع إنسان لا يسوغ أن ننكر ما عنده من خير أو ننسب إليه ما لم يقل أو يفعل، والإنصاف يبدأ قبل الكلام؛ يبدأ من التثبت، ولذلك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6]، فكم من حكم صدر على كلمة مبتورة، أو خبر لم يثبت، أو حكاية نقلها صاحبها على غير وجهها، أو زلّة غير مقصودة ، ثم صار التراجع عنها أصعب من التسرع فيها.

ومن الأدب كذلك أن نفرق بين نقد القول والحكم على صاحبه، فقد يخطئ الإنسان في شيء غير متعمد، ولا يعني ذلك أن كل كلامه خطأ، وقد يصيب في موضع ويخطئ في آخر، والعدل أن نحكم على القول بميزان الدليل، وأن نعطي صاحبه قدره دون تقديس ولا انتقاص، ولهذا كان من أجمل ما نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة»، ونُقل عنه أيضًا: «وما ناظرت أحدًا إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبالِ بيّن الله الحق على لساني أو لسانه»؛ وهي كلمات تكشف عن أخلاق طالب الحق، الذي لا يجعل المناظرة معركة لإسقاط الآخرين، وإنما وسيلة للوصول إلى الصواب.

وقد نقل ابن عبد البر عن الإمام مالك في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «خطأ وصواب، فانظر في ذلك»، وفي هذا تنبيه إلى أن مجرد وجود الخلاف لا يجعل الأقوال كلها سواء، وإنما الواجب النظر في الدليل، والتمييز بين القول الراجح والقول المرجوح، مع حفظ قدر المخالف وأدب التعامل معه، والأدب لا يعني الضعف، كما أن الحزم لا يعني الإساءة؛ فقد يحتاج النصح أحيانًا إلى بيان الخطأ بوضوح، لكن الفرق كبير بين كلمة تقصد الإصلاح وكلمة تقصد الإهانة، وبين نقد يرد الإنسان إلى الحق وتجريح يهدم كرامته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.

إننا في زمن كثرت فيه سرعة الحكم، وسهولة النقل، وشدة الخصومة، أحوج ما نكون إلى هذا الخلق: أن نتثبت قبل أن نحكم، وننصف قبل أن ننتقد، ونحفظ للناس أقدارهم وإن خالفناهم، وأن نتذكر دائمًا أن الحق أكبر من الأشخاص، وأن مخالفة الإنسان لنا لا تجرده من حقه في العدل، كما أن محبتنا له لا تمنحنا حق تجاوز الحق، فالأدب أن يبقى لساننا نظيفًا ونحن نختلف، والإنصاف أن يبقى ميزاننا مستقيمًا ونحن نحب أو نبغض، وأجمل الخلاف ما بقي فيه للحق مكان، وللعلم حرمة، وللإنسان كرامته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة